تسنيم عرفات
غزة- الأناضول
تواجه حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي تحتفل هذه الأيام بذكرى تأسيسها الـ48، العديد من التحديات، أبرزها توقف المفاوضات نتيجة تعنت الحكومة الإسرائيلية المنتمية لليمين المتشدد، بالإضافة إلى الانقسام السياسي الداخلي الناجم عن خلافاتها مع حركة حماس ذات التوجه الإسلامي.
وقد انطلقت حركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قبل قرابة نصف قرن حاملة شعار "الكفاح المسلح" طريقا وحيدا لتحرير فلسطين.
لكنها اليوم، تصر على التمسك بالمسار التفاوضي مع إسرائيل، كسبيل وحيد لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو الأمر الذي يجابه بتعنت الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتشددة برئاسة الليكودي بنيامين نتنياهو.
وأعلنت الحركة عن انطلاقتها في الأول من يناير/كانون الثاني من عام 1965 على يد مجموعة من القادة الفلسطينيين أبرزهم الزعيم الراحل ياسر عرفات.
وتعتبر حركة فتح من أبرز فصائل الشعب الفلسطيني، وأكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث لعبت دورا رئيسيا ومحوريا في كافة الأحداث التي جرت خلال الخمسة عقود الماضية من تاريخ القضية الفلسطينية.
ومنذ تأسيسها شغل ياسر عرفات منصب القيادة حتى وفاته عام 2004، حيث انتخب رئيسها الحالي محمود عباس خلفية له.
وآمنت حركة فتح منذ انطلاقتها بمنهج الكفاح المسلح طريقا وحيدا لتحرير فلسطين.
وأسست منذ انطلاقتها جناحا مسلحا أطلقت عليه اسم "العاصفة"، واستمر حتى عام 1982.
وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1994) أسست داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، جناحا مسلحا سمي "الفهد الأسود".
وتأسست خلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية عام 2000 مجموعات مسلحة أطلقت على نفسها اسم "كتائب شهداء الأقصى"، وعرفت نفسها بأنها الجناح المسلح للحركة، لكن قيادة الحركة نفت دوما أن يكون لها جناح مسلح.
وقد غيرت حركة فتح منهجها القائم على الكفاح المسلح، في 15 نوفمبر/تشرين ثان 1989 حينما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية من الجزائر عن قيام دولة فلسطين، معترفة بأحقية إسرائيل في الوجود على الأرضي التي احتلتها قبل العام 1967، واختارت نهج المفاوضات لإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها شرق مدينة القدس.
وفي عام 1993 كشف النقاب عن اتفاقية أوسلو للسلام، بين منظمة التحرير وإسرائيل، والتي تنص على منح الفلسطينيين الحكم الذاتي لأراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، كمرحلة أولى تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد تأسست السلطة الفلسطينية عام 1994 بناء على هذه الاتفاقية، وانسحبت إسرائيل من داخل المدن الفلسطينية، لكنها احتفظت بالتواجد العسكري خارجها وداخل المستوطنات المنتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولم تلتزم إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة مع المنظمة، ولم تفض المفاوضات إلى تحقيق آمال حركة فتح، حيث واصلت إسرائيل توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية، وأوقفت المفاوضات، عقب وصول أحزاب اليمين الإسرائيلي المتشدد إلى السلطة.
وأحدث تبني حركة فتح لمنهج الحل السلمي، والمفاوضات مع إسرائيل، خلافات كبيرة مع خصمها السياسي حركة حماس، ذات المرجعية الإسلامية، والتي ترفض الاعتراف بإسرائيل، وتصر على التمسك بخيار الكفاح المسلح ضدها.
وحصلت حركة فتح في الانتخابات البرلمانية في يناير/كانون الأول 1996 –والتي قاطعتها حركة حماس-على الأكثرية محتلين 55 مقعدا من أصل 88.
لكنها خسرت في الانتخابات التشريعية عام 2006، لصالح حركة حماس التي فازت بغالبية المقاعد.
وانتهى نزاعها السياسي مع حركة حماس إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن سيطرة حماس على قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007.
ويسود الانقسام منذ ذلك الوقت أراضي السلطة الفلسطينية، حيث تسيطر حركة فتح على الضفة الغربية، وتديرها عبر حكومة تابعة لها، فيما تسيطر حركة حماس على قطاع غزة.
ويقول غسان المصري، القيادي في حركة فتح في محافظة نابلس شمال الضفة الغربية، إن حركة فتح بدأت فعليا من خلال الثورة الفلسطينية باتجاه تحرير فلسطين، لإعادة الحقوق وإنهاء الاحتلال والتأكيد على الثوابت.
وأضاف: "خلال مسيرة حركة فتح كان لابد من دخولها إلى مرحلة التعاطي مع إسرائيل للبدء في مرحلة المفاوضات، وكان ذلك لبناء إستراتيجية لاستعادة الحقوق منها دون التنازل عن الاتجاه النضالي المسلح أو التخلي عن أذرعها العسكرية".
وأكد المصري أن مرحلة الوصول إلى اتفاقية أوسلو "هي مرحلة انتقالية كانت مدتها 5 سنوات، ولكن عندما اصطدمت فتح بالتمسك والتصلب بالإيديولوجية الإسرائيلية والتي تسعى لتهويد الأرض وتهجير سكانها، كان لابد للحركة أن تتوقف وتعيد النظر في كيفية بناء استراتيجية مع إسرائيل بالاتجاه نحو النضال السياسي والدبلوماسي والتفاوض للعودة لحدود عام 1967".
وأردف المصري: "حركة فتح بدأت بتحديد مسارها بالتطلع إلى المستقبل، من خلال إنشاء وتكوين السلطة الفلسطينية التي تدير التفاوض مع اسرائيل، وتكريس الجهود باتجاه عودة الهوية الفلسطينية وبناء الكيان الفلسطيني بكافة مؤسساته".
وذكر المصري أن ما شهده العالم مؤخرا من تصويت الجمعية العامة للاعتراف بعضوية فلسطين، هذا وفر الكثير من الامتيازات والحقوق لاستكمال المشروع الوطني نحو التحرير.
وأشار المصري الى أن "فتح" تعيش الأن حالة من رص الصفوف، وحالة من التعبئة والتحفيز، واستنهاض شعبي وجماهيري حولها.
وأوضح المصري أن "فتح" أمامها تحديات جسام خلال المرحلة المقبلة، لذلك يجب أن تضع رؤية جديدة تترك فيها المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي والاتجاه نحو الشريك الفلسطيني (حركة حماس)، لانهاء حالة الانقسام السائدة وذلك لن يتم الا من خلال مبادرات من حركة "فتح "نفسها.
وأكد المصري أن على الحركة أن تقوم بـ"مصالحة فتحاوية داخلية من قمة الهرم إلى القواعد التنظيمية".
من جانبه يرى طلال عوكل، المحلل السياسي والكاتب في عدد من الصحف الفلسطينية، أن حركة "فتح" لا زالت تتحمل المسؤولية الأولى والكاملة في السياسة الفلسطينية منذ نشأتها، فهي صاحبة القرار السياسي باعتبارها الفصيل الذي يقود منظمة التحرير برئاسة محمود عباس، حسب قوله.
ورجح عوكل في حوار لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء أن تجبر "طبيعة المخططات الاسرائيلية المتطرفة، حركة فتح على التنازل عن مبدأ المفاوضات والاتجاه إلى سياسة المقاومة الشعبية".
وتابع: "فتح من خلال تجاربها السابقة تأكدت أنه من غير الممكن أن تتبنى أي حكومة إسرائيلية نهج السلام مع الطرف الفلسطيني".
وتوقع عوكل أن تتجه حركة فتح نحو تحقيق المصالحة مع حركة حماس، حيث قال: "سيسود خلال المرحلة المقبلة مناخ ايجابي في الساحة الفلسطينية فهذه مرحلة بناء الثقة بين الأطراف، ومن أهم تلك المؤشرات الاحتفالات التي جرت في الضفة الغربية في ذكرى تأسيس حماس، واحتفال حركة فتح بتأسيسها في غزة".
من ناحيته رأى المحلل السياسي هاني حبيب، وكاتب المقالات السياسية في صحيفة الأيام الفلسطينية، أن حركة "فتح" مطالبة بـ "تقييم تجاربها السابقة خلال العقود الماضية، وذلك بتغيير نهجها على الصعيد التنظيمي وشعاراتها السياسية، وكذلك مبادئها التاريخية، وبدون ذلك ستبقى مجرد تيار شعبي قد لا يؤثر على القرارات المصيرية".
وأوضح حبيب لمراسلة وكالة الأناضول: "تعثّر حركة فتح في أي مشروع سياسي تنفذه في المرحلة المقبلة سيعمل على تعثّر المشروع الوطني الفلسطيني على اعتبار أنها حاملة للمشروع".
وأكمل حبيب: "على الحركة أن تستيقظ من سباتها وكبوتها؛ لتضع أساسيات المرحل المقبلة دون التمسك بالمبادئ السابقة والاعتماد على نهج المفاوضات الذي سيحملها على الكثير من التنازلات".
news_share_descriptionsubscription_contact
