نواكشوط/الأناضول / سيدي ولد عبد المالك - تعكس الهجمات الأخيرة التي قامت بها "كتيبة الموقعون بالدماء" التابعة لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي تحولا نوعيا في عمل الجماعات الإسلامية المسلحة بمنطقة الساحل الإفريقي، ونمطا جديدا في نوعية التركيز على الأهداف الاستراتيجية، كما تجسد ترجمة فعلية لتهديد هذه الجماعات بضرب الدول المشاركة بالحملة "في العمق".
فقد نجحت هذه الجماعات في تفويت حرب استنزاف ومواجهة مفتوحة مع الجيوش الإفريقية والفرنسية، وذلك بعد انسحابها من المدن التي كانت تسيطر عليها بالشمال المالي وتوزعها في المناطق الآمنة من جبال "إيفوغاس" والملاجئ غير المعروفة بالمنطقة، والاكتفاء بخوض مواجهات جزئية مع القوات الفرنسية والتشادية بمالي في مناطق تضمن لها مواجهة متكافئة وبأقل الخسائر.
وتؤكد عملية النيجر الأخيرة والتي استهدفت قاعدة للجيش بمنطقة "أغاديس" ومنجم لليورانيوم تابع لشركة "آريفا" الفرنسية بمدينة "آرليت" قبل ثلاثة أيام، أن التنظيمات الإسلامية المسلحة، وجدت الوقت الكافي لترتيب صفوفها وأوراقها وفق أجندة جديدة عنوانها "ضرب المصالح الاقتصادية للدول المعادية لها"، وذلك بالتركيز على تسديد ضربات نوعية تعيد الاعتبار لهذه التنظيمات التي تلاشت في الصحاري بعد أن فقدت معاقلها التقليدية بأزواد من جهة، وتفسد نشوة الانتصار التي بات تتغني بها فرنسا وحلفاؤها من جهة أخري.
فعمليتا "عين أمناس" بالجزائر (يناير/كانون الثاني الماضي) وعملية النيجر الأخير، تؤكدان من ناحيتي التخطيط ومستوى اختراق التحصينات الأمنية والعسكرية قدرة هذه الجماعات على التحرك بحرية وعبور الحدود دون قيود.
ويعتبر متابعون لشأن الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي أن هذه الجماعات أرادت من العملية الأولي (عين أميناس) التي تزامنت مع التدخل العسكري بشمال مالي بعث رسائل للدول الإفريقية المشاركة في التدخل مفادها أن "مَن تمكن مِن تمريغ أنف دولة كالجزائر ذات المستوي العالي في الاحتياط واليقظة الأمنية و العسكرية، والتي يشاع أن مخابراتها على صلة ببعض قيادات هذه الجماعات، قادر على تسديد ضربات موجعة لدول أقل جاهزية وخبرة من الجزائر في التعامل مع هذه الجماعات".
وبالتالي قد كانت عملية عين اميناس، كما يرى مراقبون، بمثابة "الرسالة الضائعة"، أو الرسالة التي لم تقرأ بشكل صحيح، فالمقصود منها هو أن تراجع الدول الإفريقية المتحمسة للتدخل مواقف الرهان على القوة وأن تبحث عن تسويات سلمية لقضية مالي.
والجماعات الإسلامية المسلحة بمنطقة الساحل الإفريقي ستنخرط في المرحلة القادمة في التركيز على زعزعة استقرار اقتصاد المنطقة بضرب المنشآت الاقتصادية الكبيرة كحقول النفط وأنابيبه ومناجم استخراج المعادن النفسية، وذلك باعتبار هذه المنشآت تشكل رئة اقتصادية مهمة، وبسبب حجم الاستثمارات الفرنسية الكبير أيضا في العديد من هذه المنشآت، بحسب المصادر السابقة.
وتؤكد دراسة صادرة قبل أيام عن لجنة الأمن بمنظمة تنمية دول غرب إفريقيا أن ضعف قدرة دول الساحل على ضبط الحدود، وضعف وسائل الرقابة لدي أجهزتها الأمنية، بالإضافة لعوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة، أمور تساعد في "تصاعد نشاط الإرهابيين" بالمنطقة حسب الدراسة.
كما تشير تقارير إعلامية إفريقية إلي وجود ملاجئ ومحاضن جديدة لهذه الجماعات تسمح لها بالتسلل ومغافلة الأجهزة الأمنية بالمنطقة.
وتلفت ذات المصادر الإعلامية إلى أن هذه الجماعات نجحت في الحصول على معاقل جديدة بالأراضي الليبية غير خاضعة لسيطرة الجيش، كما استطاعت إقامة تحالف مع بعض القبائل الليبية، ويعزز هذه المعطيات الرواية الرسمية لسلطات النيجر، والتي قالت فيها إن منفذي العملية الأخيرة قدموا من جهة الحدود مع ليبيا.