حازم بدر
القاهرة - الأناضول
"لن أبيع صوتي بعد الآن..نريد أن نشتري مستقبلنا بالصبر ولا نبيعه بخمسين جنيها ( حوالي 8 دولار)"..
لم يكن إقتناع السيدة الخمسينية " أم خالد " التي تقيم بمنطقة " الأمام الشافعي" في القاهرة التاريخية بترديد هذه العبارة القوية، بالمهمة السهلة والبسيطة على جمعية " العالم بيتي" الخيرية العاملة بالمنطقة، بل هو نتاج ما يقرب من عام ونصف من العمل الميداني مع السيدات، من خلال حملة "لا تبيع صوتك" التي دشنتها هذه الجمعية الأهلية المستقلة عن أي تيار سياسي.
وتنتشر في المنطقة التي تعتبر من المناطق الأشد فقرا بالقاهرة ظاهرة " شراء الأصوات الانتخابية" من قبل مرشحين، سواء عن طريق المال أو السلع الغذائية، وهو الأمر الذي كان يؤدي لوصول أشخاص غير مؤهلين لاحتلال مقعد المنطقة في البرلمان المصري على مدى العقود الماضية.
وتقول أم خالد، والتي أصبحت من السيدات اللائي تعتمد عليهن الجمعية في توعية الأخريات: "نريد أن ننتخب شخصا نلجأ إليه في المشاكل، لا شخص نراه فقط وقت الانتخابات، ثم يعطينا ظهره بعد أن جلس على مقعد البرلمان".
وتعترف أم خالد بأنها واحدة من اللائي كن تحصلن على 50 جنيها لبيع صوتها الانتخابي، لكنها تسأل نفسها الآن، وتوجه نفس السؤال للسيدات اللائي جلسن للاستماع إلى نصائحها في الندوة التي نظمتها الجمعية: " ماذا فعلنا بالخمسين جنيها، حصلنا بها على وجبة طعام، لكن هل تركنا السكن بجوار الموتى ".
ويقيم أغلب سكان منطقة الإمام الشافعي بجوار منطقة المقابر أو داخلها، وهو الأمر الذي أدي لإصابة الكثير من أطفالهم بأمراض نفسية، وكان مطلب توفير مساكن تبعدهم عن "جوار الموتى" من المطالب التي يتم تقديمها للمرشحين قبل ثورة 25 يناير وبعدها، إلا أن أحدا منهم لم يحققه حتى الآن.
وتفاعلت " أم باسم " مع التساؤلات التي طرحتها " أم خالد " بقولها منفعلة: " أين المرشحين الذين تم انتخابهم في الانتخابات البرلمانية الماضية؟.. لم نراهم بعد أن تم حل البرلمان".
وتابعت: "من يريد أن يخدم الناس لا يربط ذلك بجلوسه على مقعد البرلمان، بحيث إذا ترك المقعد أعطى ظهره للناس".
وتضيف: " لن نشرب من نفس الكأس في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وسيكون صوتنا لمن يريد خدمتنا، لا لمن يريد أن يحصل فقط على مقعد البرلمان".
وكانت الانتخابات المقبلة قد تقرر لها يوم 22 إبريل/نيسان المقبل، ثم تم إلغاؤها بقرار من المحكمة الإدارية العليا، وطعنت مؤسسة الرئاسة المصرية على الحكم، ولم يتم تحديد موعد جديد للانتخابات حتى الآن.
ويقول مدحت حامد رئيس مجلس إدارة الجمعية: " لن يثنينا قرار المحكمة الإدارية عن نشاط حملتنا، التي أطلقناها قبل الانتخابات البرلمانية الماضية في 2011، وانتخابات الرئاسة المصرية في 2012 ".
وأوضح حامد أن الجمعية قررت عدم التقيد بقرار المحكمة في نشاط الحملة، مضيفا: " قد يكون القرار في صالحنا للتكثيف من نشاط الحملة، التي كنا نخطط لبدئها قبل الانتخابات بشهرين".
وتتعامل الحملة مع السيدات فقط، حيث أنهن الأكثر قدرة على توصيل مضمونها لأبنائهم وأزواجهم، من أجل محاربة ظاهرة تهدد مستقبل مصر، على حد وصف حامد.
ولا ينكر حامد مسئولية الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها مواطني تلك المنطقة عن رضاهم ببيع الصوت الانتخابي في مقابل الأموال أو المساعدات الغذائية.
وقال: " نحن نحاول أن نعوضهم خلال فترة الحملة بمساعدات، لكن يمكن أن تصفها بـ (المساعدات البريئة) المنزهة عن أي غرض، لأن استخدامها يكون في صالح توعيتهم ".
وتعتمد الحملة – كما يوضح حامد - على عدة أساليب منها اللقاءات المباشرة مع السيدات، واستخدام مواد دعائية للتوعية يتم لصقها على حوائط المنطقة، وجولات بالمنطقة يشارك بها سيدات من اللائي تم تدربيهن على مخاطبة غيرهن من السيدات.
ورغم أن الحملة ليست وليدة الانتخابات المقبلة، إلا أن حامد يعترف أن نطاق تأثيرها لا يزال محدودا لسببين، أولهما ضعف الإمكانيات، وثانيهما انهم يواجهون ظاهرة أصبحت متأصلة في السلوك الانتخابي.
ويجرم قانون الانتخابات المصري الذي صدق عليه الرئيس محمد مرسي في فبراير سلوك " شراء الأصوات الانتخابية " ، كما أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى شرعية في نوفمبر 2011 وصفت فيها شراء الأصوات بأنه " حرام شرعا ".
وأكدت دار الإفتاء في فتواها أن شراء الأصوات من قبيل الرشوة التى نهى عنها الشرع، وأوضحت أن الأصل في الذي يرشح نفسه نائبًا عن الشعب أن يكون أميناً في نفسه صادقًا في وعده، ولا يجوز له أن يستخدم أمواله في تحقيق أغراضه الانتخابية بالتأثير على إرادة الناخبين.
وتتبادل مختلف القوى السياسية في مصر الاتهامات بتقديم "رشاوى انتخابية" للناخبين إلا أن القاسم الأكبر من هذه الاتهامات موجه للتيار الإسلامي.