محمد الخاتم
نيالا (دارفور) - الأناضول
بين نواح اليتامى الذي لا يزال صداه يتصاعد من معسكرات النزوح، وعويل النساء اللاتي فقدن أحباءهن في حرب ذهب ضحيتها الكثيرون، لم يكن هناك ما يستدعى الأحلام المؤجلة بالسلام غير مجموعة فتيان وفتيات شاركوا في الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في أرض هي بالأساس مسرح للدماء.
"ملتقى المشيش للإبداع والفنون" الذي أسسه ويديره عدد من شباب مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، غربي السودان، لا يزال يغالب أهوال الحرب ويغازل السلام عبر مقاطعه الشعرية، ورقصاته الفنية، ولوحاته التشكيلية، ونصوصه المسرحية.
و"المشيش" كلمة محلية يستخدمها أهالي دارفور، ويقصد بها: المياه التي تختزنها رمال الوديان، والتي يمكن استخراجها والاستفادة منها بعد الحفر لعمق لا يتجاوز ربع المتر.
ومشاركًا في الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، افتتح الملتقى فعالياته الأربعاء الماضي بورشة عن العمل المسرحي عقدت في مسرح "نيالا"، وشارك فيها عدد من الدارسين والممثلين والهواة.
وبعدها، جرى افتتاح معرض يضم صورًا وسردًا تاريخيًّا موزعًا على أربعة أقسام تشمل رواد المسرح العالمي منذ الحقبة التي سبقت الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير، ورواد المسرح على مستوى الوطن العربي، والسودان، وعلى مستوى إقليم دارفور.
وفي اليوم ذاته، نظم الملتقى عددًا من العروض المسرحية والاسكتشات (فقرات تمثيلية قصيرة) عبر مسرح متجول في شوارع نيالا حظى بإقبال عدد كبير من المواطنين.
ومساءً، اختتم الملتقى فعالياته بعروض مسرحية قدمها على مسرح مدينة نيالا الذي تزاحم فيه شباب المدينة، وتجاوبوا مع العروض التي كانت تهدف إلى معالجة قضايا تؤرق الكثيرين من أهالي دارفور، ومنها: التحرش اللفظي بالفتيات والنازحين والأطفال الذين شردتهم الحرب.
وحول تاريخ ملتقى "المشيش"، قال المسؤول الإعلامي للملتقى، مرتضى محمد أحمد، إنه "تأسس فام 2004، وتزامن تأسيسه مع اندلاع الحرب الأهلية، فكان من واجبنا أن نعطي قضية السلام الأولوية في أعمالنا".
وأضاف، في تصريحات لمراسل "الأناضول"، أن "السلام هو رسالتنا؛ لذا خلال تسعة أعوام من انطلاق الملتقى، ونحن نزور معسكرات النازحين ونقدم لهم أعمالنا الفنية التي تلقي الضوء على القضايا التي يواجهونها وحياة الحرمان التي يعيشونها".
ومضى قائلا: "أعمالنا الفنية تركز على مكافحة أمراض الإيدز (نقص المناعة المكتسبة) والملاريا، ومناهضة العنف ضد المرأة وعادة ختان الإناث.. وهي تجد قبولاً من الناس؛ لأنهم يحسون بها".
وبحسب أحمد فإن الملتقى يتكفل بتدريب الطلاب المشاركين في المسابقات الفنية المختلفة التي تنظمها المدارس في دارفور؛ من أجل ترقية أدائهم، و"يتم اختيار الموهوبين للانضمام إلى الملتقى وصقلهم عبر الورش الدورية التي يقيمها".
وأوضح أن عملهم "طوعي وليس ربحيًّا"، قائلا: "لا نأخذ مقابلاً ماديًا من الجمهور.. نقدم خدمات مجانية التزامًا بشعارنا: (جئنا شايلين (حاملين) ابتسامة للمشاهدين الكرام".
وأشار المسؤول الإعلامي إلى أن الملتقى له أنشطة خيرية أخرى، بخلاف تقديم الأعمال الفنية، مثل: جمع الكتاب المدرسي والملابس من الميسورين وتوزيعها على الفقراء.
وعن توسيع أنشطتهم، قال: "درجنا على الاحتفال بعيد الشعر واليوم العالمي للمسرح، وفي 29 أبريل/نيسان المقبل سنحتفل للمرة الأولى باليوم العالمي للرقص؛ ونحن الآن بصدد التحضير لرقصات تعبر عن تراثنا مع عملية تحديث بسيطة تتماشى مع رسالتنا".
وسبق للملتقى، الذي يقيم منتدى دوريًا كل أربعاء، أن قدم مشاركات خارجية في الجزائر عام 2006 وهولندا 2008.
وبشأن مصادر تمويل الملتقى، قال عضو الملتقى، فضل عبد الله بدين، لمراسل "الأناضول": "تمويلنا يقتصر على اشتراكات الأعضاء حيث لا تقدم أي جهة حكومية دعمًا لنا".
وعن المؤسسات غير الحكومية، أوضح "بدين" أن "الدعم الذي يصلنا منها رمزي، فالقطاع الخاص مثل الحكومة لا يفهم رسالتنا ولا يقدر أهميتها لذلك عندما نذهب إليهم لطلب العون ينظرون إلينا وكأننا متسولون".