نور أبو دية
صور: مصطفى حسونة
فيديو: متين كايا
غزة - الأناضول
تحت سقف من "الصفيح"، في أحد أفقر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وبرفقته إعاقتان، إحداهما في "السمع"، والثانية في "البصر"، يواجه الفتى الفلسطيني محمود المقيّد صعوبات الحياة، متسلحًا بـ"الأمل"، وبموهبته التي حباه الله إياها، وبمساعدة حثيثة من والدته.
فلقد تمكّن محمود من تحويل منزله المتواضع في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، إلى "معرض للصور"، وإن كان يفتقد للترتيب، ولا تربطه علاقة بالأناقة التي تتسم بها المعارض.
جلس "محمود" على كرسيه مسترخيًا وأمامه لوحة لم تكتمل ملامحها بعد، فيما أمسك بيده ريشة امتزجت على أطرافها مختلف الألوان. يستنشق نفسًا عميقًا، ويكتمه قليلاً، ثم يطلق تنهيده طويلة، قبل أن يعود للرسم بهمة عالية، فيلتقط اللوحة البيضاء ويبدأ بتحريك ريشته.
الشاب محمود صاحب الريشة السحرية، أو كما يسميه البعض "مناضل الريشة والقلم"، لم يكمل العشرين من عمره بعد، ورغم إصابته بإعاقة الصمم، وبإعاقة بصرية في إحدى عينيه، ورغم الفقر الشديد الذي يبدو جليًا من واقع بيته المتداعي، والمغطى بالصفيح، إلا أنه تمكن من التحول لـ"فنان مبدع".
وترجع بداية قصة محمود – الذي ولد أصم - مع الفن، منذ كان طفلاً في السادسة من عمره، حسبما تقول والدته مريم المقيد.
وتضيف لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء: "موهبة محمود تم اكتشافها وهو في السادسة من عمره من خلال أستاذ الرسم في مدرسة (أطفالنا) للصم، وكان كثيرًا ما يشجعه على مواصلة الرسم".
ولعل أكثر من ساعد محمود في صقل موهبته، هو خياله الخصب، وميله للتأمل والتفكير، كما تقول والدته.
"فلقد رسم في خياله عالمًا افتراضيًّا، تحدى من خلاله إعاقته، وفقره، فكان يسمع فيه صوت تغريد العصافير، رغم كونه "أصم"، فيحول تلك الأصوات إلى لوحات تزخر بالحياة والألوان".
كما أن إعاقته لم تبعده عن هموم وطنه "فلسطين"، حيث تعجّ لوحاته برسوم المسجد الأقصى، ومدينة القدس، وبالرسوم التشكيلية التي تتحدث عن نضال الشعب الفلسطيني، ومعاناته تحت الاحتلال الإسرائيلي.
تقول والدته، التي ارتسمت على وجهها السعادة لاستئناف ولدها رسم لوحة تركها منذ أسبوع بسبب قلة المال اللازم لشراء الألوان: "محمود ولد أصم، وفقد قدرته على الإبصار في عينه اليسرى بشكل كامل، نتيجة انفجار ألعاب نارية ألقيت باتجاهه وهو صغير".
"ولهذا السبب، لا يرسم محمود إلا وقت الظهيرة، حينما تكون الإضاءة جيدة، حيث إن عينه الباقية، تعاني كذلك من ضعف شديد، لا يمكنه من الرسم ليلاً".
ورغم الفقر والأوضاع المعيشية الصعبة لعائلة محمود فإنها ساندته ووقفت بجواره، وعملت على توفير ما يلزمه من أغراض الرسم، على حساب مصروف المنزل"، كما تقول والدته.
وتكمل: "ما زال المال أكثر عائق، فكثيرًا ما يتوقف عن الرسم لعدم وجود الألوان، والأغراض اللازمة".
وتشير والدته إلى أن نجلها شارك في مسابقة "الإبداع والتميز" التي أقامتها شركة محلية على مستوى محافظات الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة عام 2008 وتمكّن من الفوز بالمرتبة الثالثة، بالإضافة لمشاركته بمعرض "أحلام بسيطة" الذي أقامته قناة القدس الفضائية برعاية جمعية الشيخ عيد القطرية في عام 2010.
قاطعت إشارات محمود، حديثنا مع والدته، التي تجيد التحدث بلغة الإشارة جيدًا، حيث يطلب منها أن تشرح لنا ما يريد قوله.. فتابعت الأم إشاراته لحظات قبل أن تقول لنا: "محمود يمتلك موهبة كبيرة جداً ويتطلع إلى إقامة معرض فني له خارج القطاع يتمكن من خلاله بيع رسوماته التي لم يفكر أحد في شرائها خلال المعارض التي شارك فيها بغزة".