محمد بوهريد
الرباط – الأناضول
"عار عليك عظيم، ما فعلته، سيدي، يدمر الوطن ويعيق تقدمه", بهذه الكلمات يدعو شريط إعلاني حكومي المواطنين المغاربة لمحاربة الرشوة وعدم السكوت عن أي حالة ارتشاء يكتشفونها في مختلف الإدارات العمومية.
ويندرج الشريط في إطار حملة إعلانية رسمية غير مسبوقة للتنويه بأهمية محاربة الرشوة، وكذا التوعية بما تكلفه من خسائر فادحة للبلاد على جميع المستويات تقدر بنحو 1.5 مليار دولار.
إضافة إلى الشريط، الذي يتم بثه حاليا عبر القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية المغربية، أطلقت الحكومة، أخيرا، موقعا إلكترونيا، بالموازاة مع حملة وطنية تحت اسم "ويَّاكم والرشوة" (إياكم والرشوة)، يتيح للمواطنين ضحايا الرشوة، أو الشهود على حالات الارتشاء، إمكانية التبليغ عنها بسرية تامة. كما تم إحداث خط هاتفي خاص بالتبليغ عن الراشين والمرتشين.
يظهر في الشريط الإعلاني نساء ورجال من مختلف الأعمار اصطفوا في طابور طويل في انتظار دورهم لاستخلاص وثيقة إدارية. أمامهم، يجلس موظف إلى مكتب، ويبدو منغمسا في إعداد وثيقة..وفجأة، يظهر في الصورة رجل أنيق الهندام ينادي على الموظف كأنه يعرفه، ثم يتقدم نحو الموظف ويسلمه مبلغا ماليا بحيلة لا ينتبه إليها كثير من الواقفين في الصف.
يفطن عددا من المصطفين في الطابور إلى "الحيلة"، يتبادلون نظرات استغراب يينهم دون أن يصدر عنهم أي رد فعل، وبعد لحظة صمت مطبق، يقرر أحدهم التدخل طالبا من "الراشي" الالتزام بالصف وناكرا على الموظف تواطؤه، قبل أن يؤنب الراشي قائلا: "عار عليك، ما فعلته، سيدي، يدمر الوطن ويعيق تقدمه".
يتكرر هذا المشهد يوميا في الإدارات المغربية. ويحذو الحكومة، التي يقودها عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، أملا في تشجيع المواطنين المغاربة على عدم السكوت عنه بالتشهير به لحظة وقوعه، وإن تعذر ذلك أن يتم التبليغ عن الموظف المرتشي هاتفيا أو عبر الموقع الإلكتروني: "أوقفوا الرشوة".
بالنسبة لعبد السلام أبو درار، رئيس الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، التي تتولى الإشراف على الخط الهاتفي الخاص وكذلك موقع "أوقفوا الرشوة"، تسمح هاتين الآليتين بـ"ضمان سرية هوية المبلغ و ذلك لانعدام أي إمكانية تقنية للوصول إلى هويته أو معلوماته الشخصية" على حد قوله في الصفحة الرئيسية للموقع الإلكتروني للمذكور الذي يتيح كذلك إمكانية "تبادل المعلومات المتعلقة بالتبليغات عن طريق علب رسائل الكترونية سرية بين القائمين عليه والمبلغين عن الرشوة".
ولم يتسن لمراسل وكالة الأناضول للأنباء الحصول على الحصيلة الأولية لموقع "أوقفوا الرشوة" والخط الهاتفي الخاص بالتبليغ عن الرشوة بسبب "السرية التامة" التي يضربها القائمون على عمل مضامين الرسائل الإلكترونية والمكالمات الهاتفية التي ترد عليهم.
وقد أشاد مواطنون مغاربة استقت وكالة الأناضول للأنباء آراءهم بالآليات الجديدة لمحاربة الرشوة، غير أن معظهم أبدوا تحفظا من قدرتها ونجاعتها في وضع حد لهذه الظاهرة، رغم علمهم بوجود قانون يحمي المبلغين عن الرشوة.
"إنها مبارة حسنة تستحق الإشادة بها" يقول الحسين (45 عاما)، وهو معلم بمدرسة ابتدائية بالعاصمة المغربية الرباط (الرباط)، لمراسل وكالة الأناضول للأنباء، قبل أن يستدرك قائلا: "لكن لا أعتقد بأنها ستثمر، على الأقل على المدى القريب، نتائج إيجابية على أرض الواقع".
وفي المقابل، ثمنت لبنى (22 عاما)، الطالبة بجامعة محمد الخامس بالرباط، اللجوء إلى وصلات إعلانية للتوعية بخطر الرشوة، وقالت: "أتوقع أن يكون لها أثر إيجابي في الحد من تمامي هذه الظاهرة مجتمعنا".
غير أن الطالبة نفسها تساءلت عن إمكانية تسجيل إقبال كبير على الموقع الإلكتروني "أوقفوا الرشوة" أو الخط الهاتفي المخصص للتبليغ عنها من قبل المواطنين بعد سنوات كثيرة، بل عقود من سيادة هذه الممارسات في الإدارات العمومية.
يأتي الجواب على هذا السؤال على لسان عبد العظيم الكروج، وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة المغربي، بالتأكيد على أن حملة "ويَّاكم ضد الرشوة" ليست ظرفية، بل تندرج في إطار استراتيجية متكاملة لمحاربة هذه الظاهرة سيتم تطبيقها على مدى ثلاث سنوات.
وقال الكروج، في تصريح صحفي مساء أول أمس الاثنين بمجلس النواب، الغرفة الأولى من البرلمان المغربي، إن الإستراتيجية تتضمن إلى جانب التوعية إجراءات قانونية، أهمها إعداد قانون يوفر الحماية القانونية للشهود المبلغين عن الرشوة.
وشدد الوزير نففسه على أن الحملة الإعلانية ومركز التبليغ عن الرشوة مجرد إجراءات ضمن باقة من التدابير الحكومية المزمع اتخاذها لحاربة الرشوة في إطار استراتيجية متكاملة يمتد تطبيقا إلى غاية 2016.
وتتضمن الإستراتيجية ذاتها، وفق الكروج، تقوية الإطار المؤسساتي لهيئات الحكامة المعنية بهذا المجال، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، التي تأسست في 13 مارس 2007، وتطوير المنظومة القانونية، وتعزيز الشفافية في التدبير العام ودعم مساءلة المسؤولين، إضافة إلى التربية والتوعية بخطورة الظاهرة وإشراك المجتمع في محاربتها.
وتشتمل الاستراتيجية كذلك على إجراءات ذكر منها وزير الوظيفية العمومية وتحديث الإدارة المغربي إحداث بوابة إلكترونية للوظيفة العمومية يعلن فيها عن جمبيع مباريات التوظيف المتاحة وتنشر فيها نتائجها الكاملة، إضافة إلى بوابة أخرى خاصة بالصفقات العمومية تنشر التفاصيل الكاملة للمناقصات العمومية من إيداع الطلبات إلى الإعلان عن اسم الشركة الفائزة بها.