سارة آيت خرصة
مراكش (المغرب) - الأناضول
تنفض عن كتفها بعض الغبار وما علق بثوبها من قش البيدر، كأنها تزيل عنها عبء صباح طويل، لا يثنيها البرد القارس الذي يلفح وجهها عن استئناف العمل في الحقل، ولا صعوبة تضاريس المنطقة عن جلب الكلأ للماشية والحطب للتدفئة.
في أعلى قمم أحد جبال المغرب وعلى أطراف قرية "إرحَالنْ" (نسبة للقبائل الأمازيغية التي ارتحلت من أقصى الجنوب واستقرت بالمنطقة) التي تبعد عن مدينة مراكش (جنوب المغرب) بـ180 كيلومترًا، تستوطن "يامنة" (55 سنة) وأهلها بيتا ما لبث أن تناسلت عنه مساكن تأوي أبناءها وأحفادها، في تجمع مغلق أشبه بقبيلة صغيرة تربطها علاقات صداقة ومصاهرة بعائلات تستقر في السهول المجاورة.
"تعودت على القيام بمختلف الأعمال داخل البيت والوقت الذي أقضيه خارج المنزل في الحقل أو في الغابة المجاورة، يتجاوز ذلك الذي يلزمني للقيام بواجبات البيت اليومية" تقول "يامنة" في حديث للأناضول، وقد استعدت للخروج برفقة ابنها وحفيدتها للحقل.
لا تخفي سعادتها بما جادت به السماء هذه السنة من أمطار، ولا تبدي أي اكتراث لحرارة الجو المنخفضة ولا لزخات المطر المتساقطة، فما إن تنجلي الغمامة الماطرة حتى تغوص قدما "يامنة" في وحل الحقل وعلى جبينها بقايا من قطرات المطر وعرق التعب.
في قرية "إرْحَالنْ" تبدو المرأة الريفية وكأنها تستأثر بكل تفاصيل المشهد، على امتداد السهول الشاسعة وعلى طرق جلب الماء وفي السفوح حيث أكوام الحطب، تتبدى للناظر حركتهن الدؤوبة، فحسب ما يقول بعض أهل القرية، يرحل عن "إرحالنْ" شبابها ورجالها ولا يستوطن "الدُوَارْ" (قرية صغيرة باللهجة المغربية) غير ما تبقى من نساء وكهول.
يعهد للمرأة في الريف برعاية الأرض وحفظ ممتلكات العائلة من ماشية ومحاصيل، وتربية الأبناء، إلى جانب تحملها طقس الجبل القارس وشظف العيش، فمصدر رزقها يرتبط بمحصول الحقل الذي يجاور بيتها، وبما يحصله الزوج أو الابن العامل بالمدينة من أجر.
أغلب نساء القرية لم يتعلمن الكتابة ولا القراءة، لكنهن حريصات على أن تحظى بناتهن بقسط ولو يسير من التعليم، "نحن محظوظون… لدينا مدرسة ابتدائية قريبة من (الدُوَارْ) ولكن بعض (الدَوَاويرَ) الأخرى تبعد عنها المدرسة بكيلومترات، والناس لا يأْمنون على بناتهن من مخاطر الطريق ما يحول بينهن والدراسة" تقول "عائشة " ( 36 سنة) بنبرة المتأسف على حظه العاثر.
تلاحق عائشة برفقة طفلها الذي لم يتجاوز بعد سنواته الخمس قطيع الماشية، وتشير بدقة إلى المسالك الوعرة التي يجب أن يسلكها الأطفال للتوجه للمدرسة، لكنها لا تخفي إصرارها على ضرورة تعليم الصغار.
يختار أطفال القرية إما الالتحاق بالمدرسة الحكومية التي لا تتجاوز سنوات التحصيل فيها، المستويات الابتدائية دون أن يتمكن أغلب الأطفال من استكمال تعليمهم الإعدادي أو الثانوي، أو يختار آخرون الالتحاق بالتعليم العتيق، حيث يدرّس شيخ مسجد القرية الأطفال القرآن وبعض التفاسير، لكن التعليم الديني ينحصر في صفوف الذكور دون الإناث، ويحمل لطلابه مستقبلا ووظيفة عكس التعليم النظامي.
أما الحياة في القرية فأضحت أقل قسوة بالمقارنة مع سنوات سابقة، فحين التجوال بين البيوت لا يتوقف ساكنوها عن تعداد ما أُنجز خلال الفترة الماضية، يشير بعضهم إلى صهريج ماء يزود المساكن بمياه صالحة للشرب، وإن كان حظهم منها يوم أو يومين في الأسبوع يستغله الأهالي لملء كل ما توفر في البيت من قنينات ودلاء، وفي بعض الدواوير المجاورة وصلت المنازل بالكهرباء، فلم يتأخر الأهالي عن نصب هوائيات تفك عن قريتهم العزلة وتصلهم عبر شاشات التلفاز بما يجري حولهم من أحداث تمضي في إيقاع متسارع.
"الحاجة هنا.. إلى مشاريع تنقذ الشباب العاطل، وإلى خدمات صحية واجتماعية، في الآونة الأخيرة استفدنا من مبادرات لجمعيات أهلية وأخرى تبنتها الدولة نفسها، لكنها تبقى غير كافية، مستويات الفقر مرتفعة والأمية خصوصا في صفوف النساء" يقول "لحسن" (43 سنة) أحد أبناء قرية "إرْحَالنْ".
يمعن النظر في الفيافي الشاسعة التي تحيط بمسكنه، ويستطلع سيارة قادمة عبر الطريق المعبدة حديثًا التي تصل "الدوار" حيث يقطن بمركز القرية ويقام السوق الأسبوعي.
لم يكد اليوم ينتصف، حتى انتهت "يامنة" من مختلف الأشغال التي تلزمها بالبقاء خارج أسوار البيت، "لم نعد نحس بالتعب، كل تفاصيل الأيام تتشابه، تتكرر بشكل رتيب، هكذا ألفناها وهكذا علمتنا أمهاتنا وظروف القرية أن نعيش" تقول "يامنة" وهي تدير بمهارة رحاها الحجري، تحتفظ قسماتها الحادة ببعض من الحسن البدوي الأمازيغي، وتُحدِث عن سنوات من التعب والكد.