فاروق توقاد - عادل الثابتي
تونس – الأناضول
في حوار خاص مع وكالة الأناضول للأنباء وضع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية (الشريك الأكبر في الائتلاف الحكومي التونسي) النقاط فوق الحروف حول الكثير من الأحداث التي تمر بها تونس منذ اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010، وحتى الآن.
وتستعرض النقاط التالية أهم ما جاء في الحوار:
- لا دليل على تراجع شعبية "النهضة" ونتوقع أن نحصل على أصوات أكثر في الانتخابات القادمة
- بطء محاسبة الفاسدين والعدالة الانتقالية سبّب غضب الناس
- رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة فإن الحكومة حققت مكاسب هامة نقلت نسبة النمو من 2 تحت الصفر إلى ثلاثة فاصل ثلاثة
- إنجازات الحكومة لا تصل إلى الناس لأن الإعلام تسيطر عليه القوى المناهضة لحركة النهضة أكبر أحزاب الائتلاف الحكومي.
- حركة 18 أكتوبر 2005 مثلت محطة مهمة لالتقاء الإسلاميين والعلمانيين لمقاومة الاستبداد ومهدت للثورة التونسية.
- التيار السلفي تيار وطني، أكثر أجنحته سلمية، وبعض أجنحته متشددة
- إذا أراد البعض أن يحكم السلفيون تونس بعد عشرين سنة فليعاملوهم كما عامل بن علي (الرئيس الذي أسقطته ثورة 17 ديسمبر 2010 زين العابدين بن علي) خصومه
- هناك تشدد علماني في تونس هو امتداد للتراث العلماني الفرنسي المتشدد
- نتائج الانتخابات التونسية مثلت صدمة للنخبة العلمانية التي لم تستفق حتى الآن.
- حركة النهضة موحدة أكثر من أي وقت مضى، وخلال المؤتمر الأخير لم تفقد جزء من نخبتها بل استعادت من غادرها
- دخول الانتخابات القادمة في قوائم منفردة أم ضمن ائتلاف لم يحسم بعد داخلياً، ونحن نفضل الائتلاف في هذه الاستحقاقات.
- نريد الانفتاح في علاقاتنا الخارجية على إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا فضلا عن المحافظة على علاقاتنا التقليدية مع أوروبا.
- نعتبر تركيا نموذجا جاذبا لنا بما حققته من انجازات على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان وعلاقاتنا بها تاريخية.
وإلى نص الحوار
1- ما حقيقة ما تنشره وكالات استطلاع الرأي عن تراجع شعبية حركة النهضة؟ وكيف تفسرون ذلك؟
ليس هناك دليل على تراجع شعبية الحركة واستطلاعات الرأي في بلادنا حتى الآن ليست دقيقة وأحيانا تكون حسب الطلب. وهناك اتجاه عام إلى تضخيم حزب نداء تونس الذي هو إعادة انتاج للتجمع المنحل وتقديمه على أنه قوة زاحفة تكتسح كل شيء والنهضة في تراجع.
وقد تكون توقعات الناس بعد الثورة عالية مما جعل جهود الحكومة تبدو في نظرهم قليلة لكن التونسي عندما يقف أمام صناديق الاقتراع لن يجد في الغالب بديلا عن النهضة. ولذلك نتوقع أن ترتفع نسبة التصويت للحركة في الانتخابات القادمة لا سيما إذا أُجريت بقانون عادل ليس مثل القانون السابق الذي ظلم النهضة.
2- هناك من يعتبر أن أداء الحركة في الحكم كان مرتبكا ما هو رأيكم؟
صحيح أن العدالة الانتقالية لم تأخذ مجراها ولم يُحاسب المسؤولون الكبار الذي نهبوا والذين جلدوا ظهور الناس ولكن سير العدالة الانتقالية في التجارب الأخرى كان سيرا بطيئا لأن جمع الملفات وإعداد القوانين يحتاج إلى عمل دقيق والآن وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية جهزت ملفاتها وهي جاهزة للعمل ونحسب أنه لن تأتي الانتخابات القادمة إلا وقد أخذت العدالة مجراها.
ولا ننسى أنه رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة فإن الحكومة الحالية حققت نتائج مهمة جدا إذ تسلمت الاقتصاد في حالة انهيار بنسبة نمو تقدر بـ 2 بالمائة تحت الصفر بينما اليوم تبلغ نسبة النمو 3فاصل3 بما وفّر 80 ألف فرصة عمل بينما برنامج الحكومة كان 90 ألف لسنة 2012 أي أنها ليست بعيدة عن الهدف المرسوم وكذلك انخفض معدل البطالة بنقطة.
3- ولماذا لا تصل هذه الانجازات إلى الناس؟
هذه الانجازات لا يشعر بها الناس كثيرا لأن الإعلام في يد القوى المضادة للحكومة بما يصيب التونسيين بحالة من الكآبة بما أنهم لا يرون في الإعلام إلا المظاهر التي تبعث على القنوط واليأس، فصوروا البلاد وكأنها الصومال ومن يأتي إلى تونس يرى أنها اليوم أكثر أمنا من لندن ونيويورك والدليل على ذلك أن حوالي 5 مليون سائح قدموا إلى تونس هذه السنة ، وهؤلاء لا يأتون إلى بلد يحترق.
والحكومة تعد لبث قناة تغطي نشاطها، وهناك مشاريع خاصة مستقلة ربما تنجح في فرض التنوع والتعددية في إعلامنا.
4- وما سبب أحادية الصوت الإعلامي في رأيك؟
لا تنس أننا غائبون خلال ربع قرن عن الساحة ومنافسونا هم الذين كانوا يحتلونها وحدهم، وخريجو معهد الصحافة ومن يديرون وسائل الإعلام أغليهم من التجمعيين واليساريين.
4-الترويكا (الإتلاف الحكومي) أصدرت بيانا بمناسبة ذكرى حركة 18 أكتوبر، هل ما زالت تلك الحركة صالحة للم شمل معارضي النظام السابق على اختلاف مرجعياتهم؟
مثلت حركة 18 أكتوبر 2005 محطة مهمة على صعيد العلاقة بين المعارضة الإسلامية والعلمانية، حيث راهن بن علي على ضرب الإسلاميين بالعلمانيين وقدم نفسه على أنه حامي الحداثة في وجه الحركة الأصولية، ولكن المعارضة نجحت بتياريها الإسلامي والعلماني في استعادة روح الوفاق والحوار وتوصلتا إلى صياغة وثائق مهمة جدا سميت وثائق 18 أكتوبر للحقوق والحريات، ونحن لا زلنا ملزمين بهذه الوثائق.
ومن أرضية هذه الوثائق انطلق الائتلاف الوطني الحاكم اليوم، صحيح أنه لم يجمع كل الموقعين على وثائق 18 أكتوبر ولكنه جمع أطراف مهمة.
وساهمت وثائق 18 أكتوبر في عزل نظام بن علي وتوفير أرضية تمهيدية للثورة.
5- خصومكم يتهمونكم باللين مع التيار السلفي، ما حقيقة العلاقة بينكما؟
هذا تيار وطني مفهومه ملتبس غير محدد وعامة الناس ينسبون أنفسهم للسلفية أي للسلف الصالح وحتى الإمام حسن البنا عرّف الإخوان بالتيار السلفي الذي يعود إلى السنة ويرفض البدع ويقتدي بالسلف الصالح.
وهناك تيارات تنسب نفسها للسلفية وتتبنى نهجاً متشدداً وبعض أجنحتها تنتهج العنف.
ونحن مشكلتنا الأساسية مع التيارات العنيفة مثل السلفية الجهادية، أما بقية التيارات السلفية الأخرى فهي جزء من المجتمع ونحن معنيون بمحاورتهم ومناقشتهم ولهم كل الحقوق التي لغيرهم مثل المتشددين العلمانيين.
ومن يريد أن يحكم هؤلاء السلفيون -الذين يعترض عليهم- بعد 20 سنة، فعليه أن يعاملهم بما عامل بن علي النهضة.. افتحوا لهم المعتقلات واطلقوا عليهم كلاب التعذيب تنهشهم وامنعوا عنهم الوظائف.
لذلك الدولة تتعامل مع التيارات الفكرية على قدم المساواة وتطبّق القانون بصرف النظر عن الفكر والانتماء السياسي مثلما يفعل الشرطي عندما يوقف سائق تجاوز الخط الأحمر فلا يسأله عن حزبه وعن عقيدته.
تهمة الانتماء إلى تيار فكري هذه غير معقولة، نحن حوكم منا ثلاثون الف بتهمة الانتماء لتيار سياسي والقانون لا يحاكم الناس بالجملة بل كأفراد. وفي القانون الإلاهي يأتي الناس أفرادا إلى المحكمة الإلاهية ونحن كمجتمع توجد دولة لها أدوات قانونية ومن يتجاوز القانون يحاسب بالقانون.
لكن خصومنا السياسيين يريدون الزج بالحكومة في أتون حرب شاملة ضد تيار فكري. إنهم يريدون ضرب التيار الفكري وضرب النهضة في نفس الوقت.
لماذا نجحت أوروبا في ترويض المتطرفين اليساريين خلال السبعينات والثمانينات ونحن يطلب منا خوض حرب مع متشددينا. في كل البلدان الإسلامية كان هناك حوار مع الجهاديين إلا في تونس الحوار كان بالبوليس فسقط بن علي.
6- عند صدور كتابك الحقوق والحريات كفرك سلفيون، وفي المقابل يصفك علمانيون بأنك جهادي.. فأين أنت من هذا وذاك؟
لأن هناك تشدد علماني في تونس وهو امتداد لفكر الثورة الفرنسية العلمانية المتشددة وهم يعلمون أن فرنسا هي البلد الوحيد الذي يمنع الحجاب بسبب هذا التشدد العلماني، ونخبتنا التونسية هي امتداد للنخبة الفرنسية، وهناك فرق بين اللائكية والسوكولاريزم secularisme العلمانية، فالعلمانية هي حياد الدولة تجاه كل الديانات أما اللائكية فهي حرب الدولة على الديانات. ولا ننسى المنافسة السياسية التي تقتضي شيطنة الآخر وتظهره في مظهر أنه خطر على المدنية.
لقد مثلت الانتخابات التونسية صدمة للنخبة العلمانية التي ظنت أن بن علي قد أنهى الإسلام السياسي وإذا به يعود قويا. وهي صدمة لم تستفق منها النخبة إلى الآن، وكلما اعتدل الإسلاميون ازدادوا غيظاً لأنهم يريدون إظهارنا بمظهر التشدد حتى نعزل ويخوفون الغرب منا.
7- هل هناك خلافات داخلية في حركة النهضة وتهميش لجيل التسعينات؟
الحركة موحدة اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعادة الحركات خلال المؤتمرات تفقد جزء من نخبتها التي لا توافق على خيار المؤتمر وهذا ما نراه في الساحة، فنحن نرى أن أحزابا قد فقدت جزءً كبير من نوابها في المجلس التأسيسي بينما النهضة هي الكتلة الكبيرة في البلاد وعندما يصوت نوابها على مسالة ترى الأيدي صفا واحدا مرفوعة.
والنهضة في المؤتمر الأخير لم تفقد نخبة بل استعادت من غادرها خلال المحنة مثل الشيخ عبد الفتاح مورو وبن عيسى الدني وغيرهما.
ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد خلافات داخل الحركة ، هناك خلافات لأنها حركة كبيرة وتيار واسع والحوار فيها يضم ألوان كثيرة وهناك داخل التيار الواسع تباينات في المواقف: هل نبطئ السير أم نسرعه في المحاسبة؟ هل نضرب بشدة الفساد أم لا؟ وهناك خلافات حول قضايا الاقتصاد والتصرف مع الخصوم والعلاقة مع القوى الخارجية.
إلا أنه في هذا التيار الواسع الاسلام هو الذي ينضوي تحته الجميع، فلا أحد يناقش في الإسلام ولا أحد في النهضة يناقش في الخيار الديمقراطي نظاما للحكم ولا أحد في النهضة يؤمن بالعنف سبيلا للتغيير. كل من يعمل في النهضة يعمل في إطار وطني اسمه تونس، في إطار الدولة القطرية. داخل هذا التيار الواسع هناك تيارات قريبة من الليبيرالية وتيارات أخرى تبدو وكأنها متشددة، وتدور الحوارات بين هذه التيارات داخل المؤسسات التي يقبل حكمها الجميع .
في النهضة ليست هناك قيادة فردية بل القيادة جماعية لذلك يكون رئيس الحركة مرة في الأغلبية ومرات في الأقلية. 8- هل مازال الائتلاف صالحا لمواجهة الاستحقاقات القادمة؟
النهضة شديدة القناعة بالائتلاف ولذلك استمر وكلّما بدا الائتلاف وكأنه ضعف اجتمعت لجان التنسيق وجدّدت الميثاق مثلما حصل أخيرا عندما نجح الائتلاف في صنع المبادرة وانتهى إلى وفاق وأجوبة مشتركة حول القضايا الكبرى المطروحة مثل موعد الانتخابات ونوعية النظام السياسي برلماني أم رئاسي وهي قضية كان الاختلاف حولها شديد
8- وماذا عن الانتخابات المقبلة هل ستدخلونها منفردين أم ضمن ائتلاف؟
في الغالب سيكون هناك اقتران بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أما هل سندخلها بمفردنا أم ضمن ائتلاف فهذا أمر لم يحسم داخل مؤسسات الحركة بعد، وإن كنا نفضل الائتلاف في الاستحقاقات القادمة ونجري حوار للوصول إلى وفاقات داخل الترويكا وخارجها ولا نريد أن ننفرد في أي أمر بالرأي.
9- بعد الآفاق الجديدة التي فتحتها الثورة كيف ترون مستقبل علاقات تونس مع محيطها العربي والإسلامي وأي مكانة لتركيا في هذا؟
نحن جزء من العالم العربي والإسلامي وإفريقيا وتربطنا علاقات قوية مع أوروبا، ونحن ساعون إلى الاتجاه نحو كل الأسواق.
تونس كانت مفتوحة في اتجاه باب واحد سنحافظ على هذه البوابة وسنفتح بوابات عديدة نحو إفريقيا وأسيا وأمريكا وامريكا اللاتينية.
أما عن تركيا فتعني بالنسبة لنا نموذجا جاذبا جدا بما حققته من انجازات على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان وعلى صعيد التنمية، وينبغي أن يكون هناك تبادل بين التجربتين التركية والتونسية.
وكم يسعدني أن عدد من كتبي قد ترجم إلى اللغة التركية، وهذا يؤكد التشابه في الأوضاع الاجتماعية وفي تاريخ الإصلاح في البلدين، فمنذ القرن التاسع عشر كانت هناك حركة إصلاحية في تركيا وتونس ونحن أهدينا تركيا في مرحلة من تاريخها رئيسا للوزراء خير الدين باشا ورئيس مخابراتها علي باش حامبة، كما يدين التونسيون بالفضل في المحافظة على إسلامهم إلى القائد التركي سنان باشا الذي طرد الاحتلال الإسباني. وأنا بحثت عن ضريحه في اسطنبول ووقفت خشوعا على قبره.
news_share_descriptionsubscription_contact
