علي عبدالعال
القاهرة – الأناضول
برز سلفيو تونس في الأشهر الأخيرة في ظل الانفتاح السياسي بعد ثورة 14 يناير، مشاركين في العمل السياسي الرسمي أو دعاة أو بسلوكيات وفتاوى أثارت مخاوف تيارات سياسية من موقفهم إزاء الحريات والعمل السلمي.
وكان الرئيس التونسي، المنصف المرزوقي، على رأس المنتقدين للجماعات السلفية؛ حيث علق على أحداث السفارة الأمريكية بتونس الأسبوع الماضي، التي خلفت قتيلين، بأن استفزازات بعض المجموعات المتظاهرة التي لجأت للعنف تعبيرًا عن غضبها من الفيلم "المسيء" للرسول "تجاوزت الخط الأحمر".
والسلفيون في تونس ليسوا جماعة ذات هيكل واضح، بل يتشكلون من تنظيمات أو مجموعات أو توجهات متباينة إلى جانب عدد من الدعاة البارزين، بعضهم كان في المنفى والبعض الآخر قضى سنوات في السجون التونسية والإيطالية وسجن غوانتنامو بتهمة "الإرهاب".. يختلفون في الأساليب لكنهم يتفقون على "تطبيق الشريعة".
وفيما يلي عرض لأهم هذه التيارات والحركات:
** السلفية العلمية الدعوية
السلفية العلمية أو الدعوية هي التي لا تنتهج العنف ولا تتبناه، وأيضا غير مهتمة بالسياسة بل عملها ينصب في الأساس على الدعوة وتصحيح العقائد والقضايا المرتبطة بالسلوكيات والمظهر.
وعلى عكس الجهاديين، لا يؤيِّـد السلفيون العلميون مبدأ الدخول في صراع مع السلطة، حتى لو اختلفوا معها ولا يُـقرُّون مبدأ اللجوء إلى العنف كوسيلة للدعوة أو تطبيق أحكام الشرع.
وتعود البدايات الأولى للتيار السلفي الدعوي في تونس إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي، عندما أدّت سياسة الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، التي توصف بالمناهضة للإسلاميين إلى "فراغ ديني" بالمجتمع، دفع بعض طلاب العلم الشرعي إلى الرحيل سواء إلى الخليج أو إلى مصر، ثم ظهرت الفضائيات السلفية القادمة من مصر ومن بعض دول الخليج، لاحقا، فبدأت تجتذب إليها أعدادًا من الشباب في تلك المرحلة.
وفي أعقاب ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011، سمحت أجواء الحرية بالعمل والانتشار للسلفيين خاصة غير المسيسين، لذا لوحظ انتشارهم في المساجد والجمعيات الأهلية، إذ تشير دراسة عالجت موضوع "السلفيّة في تونس" أعدّها مؤخّرًا ثلاثة باحثين شبّان، إلى وجود حوالي 120 جمعيّة إسلاميّة، 24 منها تحمل خلفيّة "سلفيّة علميّة"، فيما تتعامل ما لا يقلّ عن 10 منها مباشرة مع مؤسّسات وشخصيات رسميّة عربية وخليجية.
ويتحدث متابعون عما يصفوه بالتحالف غير المعلن بين حركة "النهضة" الحاكمة والتيّارات السلفيّة "العلميّة"، فإلى جانب إسناد حقيبة الأوقاف في حكومة النهضة إلى نور الدين الخادمي، المحسوب على السلفيين، نجحت الحركة في إقامة تحالف وثيق مع الشيخ السلفي بشير بن حسن، الذي تتلمذ في السعوديّة على يد مشايخ المؤسّسة الدينيّة الرسميّة.
ومن أشهر شيوخ التيار السلفي الخطيب الإدريسي كان قد درس العلم الشرعي في الحجاز واليمن، وسجنه النظام التونسي عدة مرات كما فرض عليه الإقامة الجبرية في منزله حتى لا يلتقي أحدًا، ويصنف الإدريسي أحيانا كرمز للسلفية الجهادية.
** السلفية السياسية
تشير "السلفية السياسية"- إن صح المسمى- إلى التيار الذي قبل بالانخراط في العملية السياسية وتشكيل الأحزاب من بين التيار السلفي التونسي.
وأسفر ذلك عن الاعتراف الرسمي بحزبين سلفيين هما حزب "جبهة الإصلاح" التي يقودها محمد خوجة، وحزب "الرحمة" بزعامة سعيد الجزيري.
وعلى الرغم من حداثة عهد هذين الحزبين فإن مختلف المتابعين للمشهد السياسي يرون أنهما يمثلان رصيدًا انتخابيًا قويًا سيلعب دورًا حاسمًا مستقبلاً لصالح حركة النهضة الإسلامية الحاكمة.
** السلفية الجهادية
صار مصطلح "السلفية الجهادية" علمًا على من يرون تغيير المنكر باليد من السلفيين في بلدانهم أو خارجها.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، جنح بعض الشباب المتأثِّـرين بالخِـطاب السلفي نحو العُـنف، وأسَّـسوا مجموعة "سريا" ، يقال إنها كانت قريبة من "تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي"، الذي درّب بعض التونسيين بمُـعسكراته في الجزائر، كما سبق لهؤلاء الدخول في مواجهات مع السلطات التونسية خلال العقد الماضي.
ومن بين أشهر التنظيمات التي ظهرت في هذا الوقت "جند أسد بن الفرات" وهو تنظيم سلفي مسلح خضع 30 من أعضائه للمحاكمة في عهد بن علي أواخر عام 2009 على خلفية تهم مختلفة أبرزها التآمر على أمن الدولة والعصيان المسلح ومحاولة القتل وذلك بعد معارك بالسلاح مطلع 2007 في منطقة سليمان جنوب العاصمة، أسفرت عن مقتل 12 مسلحًا ورجل أمن وضابط في الجيش، طبقاً لإحصاءات رسمية.
وبعد الثورة، استفاد المئات من السجناء الإسلاميين الذين حوكموا بموجب قانون مكافحة الإرهاب، من العفو العام، وخرجوا إلى الفضاء، بعد أن أزيحت من أمامهم العوائق الأمنية والقانونية السابقة، فظهر لهم تواجد على السطح بشكل غير رسمي وغير منظم بصورة واضحة، لكن في شكل مجموعات تظهر وتختفي في تظاهرات أو مسيرات أو أعمال عنف.
وتقول هذه المجموعات إنها تسعى إلي إقامة إمارة إسلامية، مشكِّـكة بذلك في الشرعية الدِّينية لحركة النهضة الحاكمة، ويرى متابعون أن السلفية الجهادية التونسية في واقعها الحركي تعيش حالة من التشظي، فلا قيادات "كاريزمية" تجمع هذا الطابع الحركي.
**أنصار الشريعة
تنتمي "أنصار الشريعة" بقيادة أبي عياض إلى السلفية الجهادية، وهي جماعة توصف بالتشدد من قبل وسائل الإعلام وتأسست في أبريل/ نيسان 2011، إلا أن التنظيم السلفي دائم النأي بنفسه عن أعمال العنف، قائلا إنه لم يدع إلى أعمال عنف خلال التظاهرات التي ينظمها ويدعو لها التونسيون.
وهي من بين الجماعات التي استفادت من الانفتاح الجديد في البلاد، وينشط عناصرها بصفة خاصة في حي "باب الخضراء" الذي تسكنه الطبقة العاملة في تونس العاصمة، حيث يحضر أعضاء منها في مسجدي "المركب الجامعي المنار" بالعاصمة و"مالك بن أنس".
وتتخذ الجماعة من "مؤسسة القيروان الإعلامية" جهازًا إعلاميًا، وكان من مشاريعها التعريف بمحنة السجناء المسلمين خاصة التونسيين الذين حاربوا مع تنظيم القاعدة في العراق أثناء ذروة نشاطه في 2005-2007 ولايزالون في السجون العراقية.
ويتزعم أنصار الشريعة سيف الله بن حسين المكنى "أبو عياض" (46 عامًا) الذي كان قد أسس مع تونسيين في العام 2000 "الجماعة التونسية المقاتلة"، كما قاتل ضد القوات الأمريكية في أفغانستان عام 2002 ما جعل مجلس الأمن الدولي يضعه ضمن قائمة الأشخاص المرتبطين بتنظيم القاعدة، وقد اعتقلته السلطات التركية على أراضيها عام 2003 لدى محاولته العبور من إسطنبول، وسلمته إلى تونس التي قضت بسجنه 43 سنة نافذة بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
وأطلق سراحه مطلع مارس/آذار 2011 بعد أن قضى 8 سنوات في السجن ضمن "عفو عام" أقرته تونس بعد الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي.
ويتميّز الرجل بلهجته السجاليّة الحادّة ضدّ حركة النهضة الإسلامية، إذ لا يتردّد أبو عياض في اتّهامها بالخضوع لـ "السفارة الأمريكيّة" وبـ"انبطاحها للعلمانيين"، كما لا يتردّد في إطلاق تهديدات مبطنة لوزير داخليتها، علي العريّض، كلّما وقعت مواجهات بين سلفيين جهاديين وقوّات الأمن.
** حزب جبهة الإصلاح
حزب "جبهة الإصلاح" هو أول حزب سلفي يرخص له للعمل السياسي في تونس، ويتزعمه محمد خوجة الذي كان قد حوكم في قضايا سياسية في فترة الثمانينيات رفقة عدد من حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا).
يعرف الحزب نفسه بأنه "حزب سياسي أساسه الإسلام ومرجعه في الإصلاح القرآن والسنة بفهم سلف الأمة".
ومن أهدافه العمل على وحدة الأمة الإسلامية باعتبارها واجبًا شرعيًا وضرورة سياسية واقتصادية وحقًا مشروعًا لجميع شعوبها، وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويعرّف خوجة أعضاء "جبهة الإصلاح" بأنهم ببساطة مسلمون يؤمنون بالإسلام عقيدة ومنهج حياة، ويتمسكون بالكتاب والسنة ويلتزمون بهما قولاً وعملاً.
عقد الحزب أول اجتماع عام له في العاصمة تونس تحت شعار "الشريعة مسارنا والإصلاح خيارنا" وقد حضره راشد الغنوشي رئيس "حركة النهضة" الإسلامية الحاكمة التي تسعى إلى إقناع الجماعات السلفية العنيفة بالابتعاد عن العنف والانخراط في العمل السياسي السلمي.
من جهة أخرى، لم يستبعد خوجة الدخول في تحالفات مع أحزاب ذات مرجعية إسلامية مثل حركة النهضة، وقال "التحالفات أمر وارد إذا كانت هناك مشاريع لصالح البلد والشعب".
** حزب "الرحمة"
حزب سلفي يقول أعضاؤه إنهم يطالبون الحكومة بإدراج الشريعة ضمن الدستور، كما يتطلعون إلى القضاء على "الجهل" في الدين، ويعرّف الحزب نفسه بأنه "حزب سياسي وطني إسلامي أساسه الرحمة والمودة والعدل والمساواة بين جميع أفراد الشعب"، مبني أساسا على شريعة الله ورسوله".
ويتخذ الحزب من عبارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" شعارًا له.
ويتزعمه الشيخ سعيد الجزيري (45 عامًا) وهو إمام مسجد كان قد برز وسط الجالية الإسلامية الكندية بسبب آرائه التصادمية ورحل إلى بلاده في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويرى الجزيري أن حزب "الرحمة" يضمن الحريات الفردية والعامة، في ظل احترام المقدسات وتقاليد الشعب التونسي.
ويتفق الجزيري مع حركة النهضة في دعم النظام البرلماني كنمط لحكم تونس ويعتبره الأكثر تعبيرًا عن إرادة الشعب ودعم الديمقراطية الشعبية.
news_share_descriptionsubscription_contact
