يوسف ضياء الدين
الجزائر ـ الأناضول
لاقت زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند نوعًا من الترحيب في الشارع الجزائري، كما تلقى مواطنو هذه المستعمرة الفرنسية القديمة بارتياح انتخابه في مايو/أيار الماضي خلفا لليميني نيكولا ساركوزي الذي عرفت العلاقات بين البلدين في عهده "توترًا" غير مسبوق وأضحى يوصف في الجزائر بالرئيس "المستفز".
ترافق أي زيارة للرؤساء الفرنسيين إلى الجزائر منذ الاستقلال "زوابع سياسية وإعلامية" على خلفية الحساسية التي تميّز العلاقات بين البلدين والتي يمثل فيها ملف الذاكرة ثقلاً كبيرًا إذ لا يزال الجزائريون بعد نصف قرن من الاستقلال يطالبون باريس باعتذار رسمي وصريح عن جرائم الاستعمار (1830/1962) في الوقت الذي يتلكأ الساسة في فرنسا في التعامل مع هذا الطلب بين ضرورة الالتفات للمستقبل وطي الماضي، وآخرون يرون الاعتذار خطيئة كبرى وتنكر لتضحيات أجدادهم.
وخالفت زيارة هولاند هذه القاعدة في الزيارة التي يقوم بها للجزائر على رأس وفد هام من وزراء ورجال أعمال إذ لاقت ترحيبًا في الشارع ورسميًّا بفعل مواقف الرجل المعتدلة من ملف الذاكرة والهجرة بحكم أن الجزائريين يمثلون أكبر الجاليات في فرنسا.
ولم يخف الجزائريون سواء في الداخل أو المهاجرين في فرنسا دعمهم المطلق للمرشح اليساري هولاند ضد اليميني نيكولا ساركوزي في انتخابات الرئاسة التي جرت شهر مايو الماضي.
كما رحّب الإعلام الجزائري بفوز هولاند ووصفه بـ"صديق الجزائر" كونه اختار الجزائر عام 1978 لإجراء تربص نهاية الدراسة ودائم التردد عليها كمسؤول سياسي في الحزب الاشتراكي بعدها.
وأكدت عمليات سبر آراء نشرتها وسائل إعلام فرنسية بمناسبة زيارة هولاند إلى الجزائر أن الأخير يحظى بشعبية كبيرة في هذه المستعمرة الفرنسية القديمة تضاهي تلك التي كان يحظى بها الرئيس الأسبق جاك شيراك الذي استقبل بحفاوة شعبية عام 2003 بالجزائر بسبب موقفه المعارض للغزو الأمريكي للعراق فضلا عن سياسته المعتدلة تجاه المهاجرين والعلاقات مع الجزائر حيث كان يسعى لتوقيع "معاهدة صداقة" معها غير أن وصول نيكولا ساركوزي للحكم أجهض المشروع.
ووفق نفس المصادر يعتبر ساركوزي الرئيس الفرنسي الأقل شعبية في الجزائر بسبب قوانين الهجرة التي صدرت في عهده وكانت وراء التضييق على المهاجرين فضلا عن سعيه لتعديل اتفاق للهجرة وقع بين الجزائر وفرنسا عام 1968 يمنح الجزائريين الأفضلية بين الجاليات الأخرى في الإقامة والعمل بفرنسا.
وحسب الإعلام الفرنسي كان صراع نشب بين الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك وخلفه ساركوزي الطامح للسيطرة على الحزب الحاكم آنذاك "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" وراء إجهاض مشروع "معاهدة الصداقة" مع الجزائر، حيث ألقى ساركوزي بكل ثقله بعد وصوله رئاسة الحزب إلى إصدار قانون في 23 فبراير/شباط 2005 عبر البرلمان يعتبر الاستعمار الفرنسي "فعلاً إيجابيًّا ساهم في نقل الحضارة لدول جنوب المتوسط" بشكل أثار حفيظة الجزائريين الذين كانوا ينتظرون بدلا عنه اعتذارًا على جرائم الاستعمار.
وخلف هذا القانون "قطيعة" في العلاقات بين البلدين على المستوى السياسي استمرت إلى اليوم ولم تفلح زيارة لنيكولا ساركوزي إلى الجزائر عام 2007 في ترميمها بل إن تصريحات له قال فيها إن "الأبناء لا يمكنهم الاعتذار عما فعله الآباء" زادت في تعميق هذا الشرخ، حيث فهمت في الجزائر على أن الرجل يريد دفن ملف الاعتذار ويميل لأطروحات اليمين المتطرف في باريس كما وُصفت مواقفه بـ "الاستفزازية".
وعكس هذا التوجه، أبدى الرئيس الفرنسي اليساري فرانسوا هولاند "اعتدالا" في خطاباته تجاه الجزائر، وكان هولاند قام بأولى خطواته في هذا المجال في الخريف حين اعترف بـ"القمع الدموي" الذي قامت به الشرطة الفرنسية لتظاهرة 17 تشرين الأول/أكتوبر 1961 والذي أوقع مئات الضحايا في باريس في صفوف المتظاهرين الجزائريين، وقال "التاريخ يجب أن يستخدم لبناء المستقبل وليس لوقفه" وهو موقف لقى ترحيبًا في الجزائر لكنه اعتبر غير كافٍ ما لم تعترف فرنسا بجرائم الاستعمار كاملة.
كما اعتبرت مواقف هولاند بشأن ملف الذاكرة بـ"المعتدلة" حيث أكد في رسالة لنظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في رسالة بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال في 5 يوليو/تموز الماضي إن "فرنسا ترى أن هناك مكانًا لنظرة مسؤولة إلى ماضيها الاستعماري المؤلم، وفي الوقت نفسه لاندفاعة واثقة نحو المستقبل".
ورد بوتفليقة في رسالة أخرى لهولاند حول الملف بالقول "لقد آن الأوان للتخلص من أدران الماضي بأن نخضعه سويا ضمن المناسب من الأطر لفحص حصيف وشجاع سيساهم في تعزيز أواصر الاعتبار والصداقة بيننا".
ويتراوح الموقف الجزائري من ملف الذاكرة بين طرحين، الأول تتبناه السلطة يؤكد أن "الاعتذار شأن داخلي فرنسي كون الجزائريين افتكوا استقلالهم بالتضحيات ولا حاجة لهم بفرض اعتراف فرنسي" أم الطرح الثاني وهو للمعارضة يدعو باريس للاعتذار على جرائم الاستعمار وتعويضها كشرط للانتقال إلى مرحلة جديدة في التعاون وتطبيع العلاقات" وهو ماطالب به 14 حزبًا عشية زيارة هولاند.
ويرى المؤرخ المختص في العلاقات الجزائرية الفرنسية محمد القورصو أن "ما يميّز زيارة هولاند أنها تأتي بعد شبه قطيعة سياسية بين الجزائر وفرنسا جراء المواقف الاستفزازية لسابقه ساركوزي".
وأوضح في حوار أجرته معه اليوم جريدة الخبر الواسعة الانتشار في الجزائر أن "أهداف هذه الزيارة بصرف النظر عن طابعها البروتوكولي، فهناك دلائل تشير إلى أن الغاية الأولى من هذه الزيارة هي تصفية الأجواء بين البلدين، وبالتالي إعادة ربط الحوار بين الدولتين، تمهيدا لرسم سياسة طويلة المدى بين البلدين، لاسيما وأن كلاً من فرنسا والجزائر أصبحا اليوم أكثـر من البارحة في حاجة إلى الآخر".
وبخصوص الفرق بين فرنسا في عهد ساركوزي واليساري هولاند يرى القورصو "فرنسا هي فرنسا مهما كان لونها ورديًا، أزرق أو أحمر. تراعي مصالحها مثلما نراعي مصالحنا (...) أما ما جعل الجزائريين يولون اهتماما بالغا للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي فاز على إثرها الرئيس هولاند، هو استفزازات سابقه ساركوزي وعنجهيته، بالإضافة إلى سنه قوانين عنصرية في حقّ الجاليات المقيمة بفرنسا، بما فيها جاليتنا المستهدفة من طرف الحزب الحاكم آنذاك واليمين المتطرف".
ويتساءل القورصو "هل سيجرؤ هولاند على خطّ صفحة جديدة تنسي الحزب الاشتراكي الفرنسي سياسته في الجزائر أثناء الثورة التحريرية بل وتاريخ فرنسا الاستعمارية، تمهيدا لشق طريق المصالحة مع التاريخ ومع الجزائر بغية نسج علاقات سياسية جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والندية؟، هذا ما ستأتي به الأيام القليلة القادمة".
أما صحيفة الشروق الأكثر انتشارًا في الجزائر فتناولت الملف الاقتصادي في العلاقات بين البلدين، وقالت إن فرنسا التي تعيش أزمة تريد فتح الطريق لشركاتها في الجزائر "المملوءة خزائنها" بأموال النفط.
وأكد مقال للصحيفة، اليوم الأربعاء، أنه في عز الأزمة التي ضربت العلاقات بين البلدين في عهد ساركوزي نجح الأخير بعد زيارته للجزائر في افتكاك لشركات مثل "ألستوم" التي كانت تواجه الإفلاس بغلاف مالي قدر بـ 3.2 مليار يورو بشكل أنقذها من هذا المصير إلى جانب شركات فرنسية أخرى.
وترى الصحيفة أن "زيارة فرانسوا هولاند، ستكون مسرحًا لتوقيع اتفاقيات أخرى لفائدة شركات فرنسية أخرى، على غرار إقامة مصنع لتركيب السيارات من نوع "رونو (..) فضلا عن مصنع آخر لـ "صانوفي افانتيس" لإنتاج الدواء، إضافة إلى التوقيع على اتفاقيات أخرى تخص "لافارج لإنتاج الإسمنت".
وخلص كاتب المقال إلى أنه "يتضح مما سبق أن رؤساء فرنسا الذين زاروا ولا زالوا يزورون الجزائر، تحركهم بوصلة مصالح الفرنسيين حيثما كانوا، ولو تطلب الأمر القفز على ذاكرة شعب مثقلة بالآلام".
news_share_descriptionsubscription_contact
