سارة آيت خرصة
مراكش – الأناضول
يمسك بلوحه الخشبي الذي دونت عليه آيات من القرآن، يرفع صوته مرددًا على عجل آية، دون أن تمنعه أصوات زملائه التي تملأ جنبات المسجد من التلاوة، ومواصلة استذكار ما حفظه، فدقائق معدودة تفصله عن الوقوف بين يدي الشيخ، لاستعراض ما حفظ من سور ومتون وأحاديث.
"في المسجد علمنا الشيخ القراءة والكتابة، حتى نتمكن من حفظ القرآن والأحاديث النبوية (..) فضّل والدي أن يدخلني الكُتاب القرآني الوحيد الموجود بالقرية عوضًا عن الالتحاق بالمدرسة، ففي رأيه ذلك أفضل وأفيد لي" يقول علي (13 سنة) الذي التحق منذ سنتين بكتاب قرية "انْدجارنْ" الأمازيغية بالقرب من مدينة مراكش (جنوب المغرب) المقام في مسجدها.
ويتوافد على الكُتاب أغلب أبناء القرى المجاورة لتحصيل علوم الشريعة والفقه وحفظ القرآن، على يد إمام المسجد، الذي كان فيما مضى يتلقى أجرته من أهل القرية، لكنه اليوم أضحى يعمل تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.
ففي بوادي وقرى المغرب، انتشرت منذ قرون مدارس التعليم العتيق، التي احتضنتها الزوايا الصوفية والمساجد، فصارت قطبًا معرفيًا لصناعة نخبة ستسهم في صياغة هوية المغرب الإسلامية، وتعمل على نشر المعارف الدينية في أوساط أهل المدن والقرى، تتكفل القبيلة أو أهل القرية بإيواء الطلاب القادمين من مناطق بعيدة، وإكرام شيخ المسجد الذي يدرس الطلاب، وتتنافس القرى في جعل مدارسها العتيقة منارات معرفية معروفة، يغدق عليها المحسنون بالتبرعات ويقبل عليها الدارسون من كل مناطق المغرب.
وكانت الزوايا الصوفية في المغرب، التي أقامت هذه المدارس، مستقر النخب السياسية والفكرية التي ستعمل على مواجهة الاستعمار الأجنبي ( فرنسا وإسبانيا) للمغرب مع بداية القرن العشرين، ولعبت هذه الزوايا باعتبارها منشأ هذه النخب دورًا مهمًا في مقاومة الاستعمار والحفاظ على هوية المغرب.
لكن الاستعمار الأجنبي فرض نظامًا تعليميًّا عصريًا يستنسخ مناهجه وقيمه، ويستهدف على ما تقول بعض الروايات التاريخية بشكل مباشرة دور الزوايا المعرفي والسياسي، وهمش بشكل كبير مدارس "التعليم العتيق"، لتنزوي على الهامش، ويقتصر دورها على تكوين أئمة وخطباء المساجد.
"بعد أن أنتهي من الدراسة في جامع القرية سأنتقل إلى سوس (منطقة جنوب المغرب) للالتحاق بمدرسة لتلقي المزيد من العلوم (..) هكذا فعل أخي الأكبر وهو يعمل إمامًا بأحد المساجد هناك" يقول "علي" للأناضول.
يختار ركنًا في زاوية المسجد، وينكب على مراجعة لوحه القرآني، يلتحق به أحد الصبية، ويقرفص بجانبه، يسلم لوحه لعلي يستعد ليستذكر أمامه ما علق في ذهنه من آيات السورة، يجتهد في نطق الكلمات وإن طبعت لغته العربية المتلعثمة لكنة أمازيغية واضحة.
وحاولت الدولة المغربية بعد الحصول على الاستقلال سنة 1956 إعادة الاعتبار إلى مناهج "التعليم العتيق" وإعادة هيكلة المنظومة التعليمية بهذه المدارس الدينية، لتنفتح على علوم معاصرة حديثة كالفلسفة والرياضيات وغيرها. وحرصت على جعل هذه المدارس معبرة عن الهوية الدينية للمغرب تقوم على أساس المذهب الرسمي للدولة، المذهب السني المالكي.
وزاد الاهتمام بهذه الدور ومدارس التعليم العتيق التي ألحقت بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بشكل كبير بعد الهجمات التي تعرّضت لها مدينة الدار البيضاء في 16 من مايو/أيار 2003، والتي اتهمت السلطات المغربية عناصر من تنظيمات سلفية جهادية بتدبيرها، حيث شدد العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب له سنة 2004 على ضرورة أن تسهم هذه المدارس الدينية في نشر خطاب متوازن يدعو للانفتاح على مختلف الثقافات وينأى عن كل انغلاق.
أما "علي" فبعد أن أصرّ والده على استكمال تعليمه في جامع القرية، دون الالتحاق بالمدرسة الابتدائية النظامية المقامة على بعد أمتار من المسجد، فلا يمنعه تعليمه الديني من الاستغراق في التمني والأمل بمستقبل أفضل.."سأجتهد في حفظ القرآن لأصير عالمًا في الشريعة وأدرّس مثل شيخ قريتنا الأولاد".. يقول "علي" ثم يوصل تلاوة الآيات القرآنية.