كوثر الخولي
القاهرة- الأناضول
"أنا لو خلفت بنت، لن أعرّضها لمثل ما تعرضت له".. بهذه الكلمات أنهت د.م 27 سنة مكالمتها مع أحد مستشاري الخط الساخن التابع للبرنامج القومي لمناهضة ختان الإناث والمعني بتقديم المشورة الطبية والنفسية لنساء تعرضن للختان، وأيضًا استقبال البلاغات ضد من يقوم بهذا الفعل والذي يعاقب عليه القانون المصري خاصة في حال إجرائه خارج المستشفيات.
ويقول القائمون على المبادرة إنه عند توثيق قصص لنساء تحليْن بالشجاعة وقررن البوح عن معاناتهن جراء عملية الختان، استطاع المعنيون بمكافحة هذه العادة أن يجمعوا البيانات والمعلومات التي مكّنتهم من تصميم الدورات التدريبية القائمة على قصص واقعية، وتقديمها للأسر لرفع وعيهم بمخاطر ممارسة الختان ضد بناتهن، مما ساهم بشكل كبير في خفض معدلات ممارسة الختان.
وفي مقابلة مع مراسلة وكالة "الأناضول" للأنباء، تقول منى أمين، مديرة البرنامج القومي لمناهضة ختان الإناث التابع لوزارة الصحة المصرية: "يستقبل الخط الساخن أسرارًا وحكايات لنساء تعرّضن للختان وقررن من خلاله كسر حاجز الصمت، والتحدث بصراحة عن تفاصيل هذه اللحظة المؤلمة في حياتهن طلبًا للمشورة الطبية والاجتماعية والنفسية، أو بهدف تقديم بلاغات لإنقاذ ضحايا أخريات قد يتعرضن لنفس مصيرهن".
وتضيف أنه يمكن القول بأن معدل ممارسة ختان الإناث في مصر "انخفض إلى النصف تقريبًا بعد توثيق هذه القصص التي تحولت إلى برامج تدريبية لتوعية الأهل بهذا الأمر".
وختان الإناث، عادة تقليدية قديمة ظهرت في مصر قبل ظهور الأديان، ووفق تعريف صندوق الأمم المتحدة للسكان هي جميع الإجراءات التي تنطوي على الإزالة الجزئية أو الكلية للأعضاء التناسلية الخارجية أو إلحاق إصابات أخرى بالأجهزة التناسلية للإناث، إما لأسباب ثقافية أو لأسباب غير طبية.
وعادة ما يمارس ختان الإناث في مصر بهدف ضبط الرغبة الجنسية عند المرأة وضبط سلوكها، نظرًا للمفهوم الخاطئ بأن الختان له علاقة بالعفة، بحسب فيفيان فؤاد، خبيرة التنمية الاجتماعية.
وتحكي داليا المعتز بالله، إحدى العاملات بالبرنامج، قصصًا واقعية عن ختان الإناث في صعيد مصر، حيث تنتشر ممارسة تلك العادة بين مسلمين وأقباط هناك، مؤكدة أن هؤلاء النساء سمحن بنشر قصصهن لحماية أخريات من التعرض لنفس المصير.
تقول داليا لـ"الأناضول": "من أكثر القصص المؤثرة والتي توضح النظرة المجتمعية السلبية لمن لم تجر لها أسرتها عملية الختان، قصة سيدة تبلغ من العمر 35 عامًا وزوجة وأم لخمسة أبناء، ورغم مرور سنوات على زواجها فإن ذكرى هذا الزواج تمثل أيامًا حزينة بالنسبة لها، حيث إنها كانت محظوظة لأن أسرتها لم تجر لها عملية ختان في صغرها ولكن "كلام الناس" عندما كبرت أخذ يلاحقها لأنها لم تجر هذه العملية".
وتضيف: "عندما تقدم إليها زوجها زادت المخاوف لديها بسبب ما رددته صديقاتها وجيرانها من أن زوجها عندما يكتشف أنها لم تختتن في ليلة الزفاف سينفر منها، مما دفعها إلى قطع هذا الجزء من جسدها بنفسها وبطريقة بدائية نتج عنها نزيف حاد أصبحت معها ذكرى زفافها بمثابة ذكرى قاسية على نفسها".
قصة أخرى وردت إلى ملفات الخط الساخن، وهي لشابة في الأربعينيات من عمرها، ورغم مرور هذا الوقت الطويل على يوم ختانها إلى أنها لم تستطع نسيانه، حيث سبب لها هذا الحادث بقسوته، عقدة نفسية من الزواج ولا تتحمل أن تتخيل أن يقترب رجل من هذه المنطقة "المؤلمة" بالنسبة لها، مما دفعها إلى ارتياد عيادات الطب النفسي لمداواة هذا الجرح الغائر في نفسها، والذي تتمنى أن يندمل حتى تستطيع أن تكمل نصف دينها.
وعن حجم الظاهرة في مصر، وهل أثرت مثل هذه الجهود في التقليل منها؟، تقول فيفيان فؤاد لمراسلة الأناضول: "تشير آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة المصرية ومنظمة الصحة العالمية إلى أن ختان الإناث في مصر شهد انخفاضًا في السنوات الأخيرة وصل إلى 50%".
وعن الإجراءات المستقبلية للحد من هذه الظاهرة، تقول منى أمين: يركز البرنامج القومي لمناهضة ختان الإناث على تقديم وتوفير المعلومات للأسر سواء كان معلومة دينية أو معلومة طبية أو معلومة قانونية، قبل أن يقدموا على ممارسة هذه العادة الضارة، وخاصة بعد ما لمسنا أن قلة المعلومات هي ما تدفع كثيرًا من الأسر لهذا الأمر.
وأردفت قائلة: مصادرنا في تقديم المعلومات العلمية عدد من علماء الدين والمفكرين الإسلاميين أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمفكر الإسلامي سليم العوا، والذين أسهموا بالفتاوى والبحوث الشرعية التي تخلص جميعها إلى أن الختان ليس فرضًا وإنما "مكرمة" للمرأة.
وتضيف أمين: المؤسسة المسيحية في مصر أيضا ضد ختان الإناث، ويوجد أيضا 3 مؤسسات طبية كبرى في مصر ضد هذه الممارسة مثل نقابة الأطباء، وزارة الصحة، وكليات الطب في مصر التي لاتحوي مناهجها أي إشارة لهذه العملية مما يدل على رفضها طبيًا.
يذكر أن السلطات المصرية قامت في 2008 بإصدار قانون لتجريم ختان الإناث خارج المستشفيات ينص على الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تجاوز سنتين، أو بغرامة لا تقل عن ألف جنيه (حوالي 170 دولارًا) ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه ( 810 دولارات) ضد كل من أحدث الجرح بطريق إجراء ختان لأنثى.