حازم بدر
القاهرة - الأناضول
قبل أكثر من ثلاثين عامًا، افتتح حامد مكاوي مدرسة للسجاد اليدوي بمنطقة آثار سقارة في صحراء أهرامات الجيزة، غير أنه ولأول مرة يشعر هذه الأيام بحجم الفراغ الكبير، الذي يفصل بين مكتبه والورشة التي يتم تعليم الدارسين داخلها.
الفراغ الكبير الذي يشعر مكاوي به يفصل بين الجانبين الأيمن والأيسر من صالة العرض الضخمة التي تحوي منتجات المدرسة، وهو المكان الذي كان يمتلئ قبل عامين بسياح من جنسيات مختلفة يعتبرون زيارة المدرسة وشراء منتجاتها جزءًا لا يتجزأ من رحلتهم لمنطقة آثار سقارة بصحراء الجيزة، لكنه هذه الأيام أصبح خاويًا بسبب ضعف الإقبال السياحي.
مسحة حزن شديدة ارتسمت على وجه مكاوي وهو يقارن لمراسل وكالة الأناضول للأنباء بين زمن مضى لم يكن يستطيع أن يقتطع دقائق من وقته لاحتساء كوب من الشاي الساخن، وبين حالة المدرسة الآن بعد أن هجرها الدارسون بسبب ضعف الإقبال من السياح.
يقول مكاوي، وهو يشير إلى الورشة التي توجد بها دارسة وحيدة لا تزال تتعلق بماضٍ قريب كانت الحرفة تشهد ازدهارًا "قبل عامين كان كل نول (الآلة الخشبية التي يصنع بها السجاد اليدوي) بهذه الورشة يجلس أمامه حرفي، بل وكنا نؤجّر أماكن بالخارج نضع فيها أنوالاً أخرى، ونعطي مثلها لحرفيين يعملون من منازلهم، وذلك لمواجهة ضغط الإقبال على المنتج، أما الآن فلا يوجد لدينا سوى هذه الفتاة".
واضطر الحرفيون الذين تعلموا صناعة السجاد اليدوي في مدرسة مكاوي وعملوا بها لفترة طويلة إلى هجرة الحرفة إلى مهن أخرى بعد أن صارت دخولهم ضعيفة لضعف الإنتاج والبيع، نتيجة للانخفاض الملحوظ في عدد السياح القادمين لمصر، كما يشير مكاوي.
ويصمت للحظات قبل أن يتابع "للأسف هذا يعرّض واحدة من أقدم الصناعات المصرية لخطر الاندثار".
ورغم ما تعانيه المهنة من مشاكل فإن مكاوي لا يزال متمسكًا بها، ويرى في ذلك اعتزازًا بمصريته وتاريخ بلاده.
وبنبرة صوت يملؤها الحماس أخذ مكاوي، الذي عرفنا من نجله أنه عمل في شبابه كمرشد سياحي، يذكر تاريخ الحرفة منذ الفراعنة، مرورًا بالعصر القبطي، وانتهاءً بالإسلامي.
ويقول بعد أن فرغ من شرحه المطول، الذي عاد فيه إلى أيام شبابه عندما كان من أوائل من عملوا بمهنة الإرشاد السياحي "نحن علمنا العالم حرفة صناعة السجاد اليدوي، وها هي تزدهر في دول أخرى، وتتعرض عندنا للاندثار".
حالة الحماس التي بدا عليها مكاوي وهو يتحدث عن تاريخ الحرفة أرهقته كثيرا، فلم يستطع استكمال الحديث معنا حول رؤيته للنهوض بالصناعة، وهي المهمة التي تكفل بها نجله خالد، الذي يعمل في هذه الحرفة منذ نعومة أظفاره.
خالد يوضح لمراسل وكالة الأناضول للأنباء "نحتاج من الدولة أن تدعمنا، مثلما تدعم الدول الأخرى تلك الحرفة لديها".
ويرى خالد في النموذج التركي لدعم الحرفة نموذجًا يطالب الحكومة المصرية بالسير على نهجة، مشيرًا إلى قيام الدولة بمنح حوافز لزائري تركيا مثل تذكرة الطيران المجانية شريطة شراء سجادة يدوية من تركيا.
ويتمسك خالد مثل والده بالحرفة، غير أن مبرراته ليست تاريخية مثل والده، بقدر ما هي واقعية وتستند إلى خبرات سابقة.
يقول بلهجة مفعمة بالثقة والأمل "تاريخ المهنة مثل الرسم البياني الذي يشهد صعودًا وهبوطًا، ونحن الآن في مرحلة الهبوط، لكننا سنعاود الصعود إن شاء الله عندما تتحسن أحوال البلاد وتعود السياحة".
وينظر خالد إلى الدارسة الوحيدة في مدرسة السجاد، ويضيف مبتسمًا "قد تصبح هذه الفتاة عملة نادرة وقتها".
وتبلغ هذه الفتاة من العمر 15 عامًا، وهو العمر الملائم لتعلم هذه الحرفة، وفقا لخالد، الذي يؤكد لمراسل الأناضول أن هذه المهنة تحتاج أيضا، إلى جانب العمر الصغير مهارة التركيز الشديد.
ويوضح "الحرفي ينفذ بالخيوط ما يشاهده من مربعات صغيرة جدًا في اللوحة التي توجد أمام النول الذي يعمل عليه".
فاطمة، الدارسة الوحيدة في مدرسة مكاوي كانت تجلس أمام النول وعيناها تدققان في اللوحة التي توجد أمامها، لتحول مربعاتها بسلاسة إلى عقد باستخدام الخيوط ذات الألوان المختلفة.
يسمى النوع الذي تعمل عليه فاطمة باسم "السجاد الحرير"، ويتم إنتاج نوع آخر بنفس الطريقة وهو "السجاد الصوف"، وكلا النوعين ينتشران في دول مثل "تركيا" و"إيران"، غير أن هناك نوعًا ثالثًا تتميز به مصر وحدها وهو ما يسمى بـ "الجوبلان".
والجوبلان هو نوع من السجاد لا يعتمد فيه الحرفي على نقل مربعات اللوحة الفنية إلى السجاد، كما في النوعين السابقين، لكنه يعتمد على نقل اللوحة الفنية إلى السجاد دون الالتزام بمربعات معينة، وهو ما يعطي مساحة من الحرية والحركة يظهر فيها خيال الحرفي.
ويقول خالد: "السائح التركي في مصر لا يشتري إلا الجوبلان، لأن الأنواع الأخرى يتم إنتاجها في تركيا".
وأشار بفخر إلى سجادة يبدو من اللوحة الفنية التي تحتويها بأنها ذات بعد تاريخي، مضيفًا "هذه اللوحة من كتاب وصف مصر الذي ألفته الحملة الفرنسية".