غزة- الأناضول
ابراهيم قليج
فؤاد الرازم، الذي استطاع أن يسجل إحدى أساطير الكفاح، ويسطر صفحات من الصمود والتحدي منذ أن تم اعتقاله على أيدي الاحتلال الإسرائيلي في الثلاثين من كانون الثاني/ يناير عام 1980 وحتى لحظة تحريره ضمن صفقة وفاء الأحرار في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2011.
مراسل الأناضول التقى الرازم في غزة مؤخراً، وسأله عن قصته مع الاعتقال وعن ظروف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، من خلال الحوار التالي:
*-ماذا عن ظروف الاعتقال، وممارسات السجانيين الإسرائيليين:
* ظروف الإعتقال تتشابه أحياناً بين أسير وآخر، وتختلف في بعض الأحيان حسب سنوات الإعتقال والتعذيب، فعند دخول السجن تبدأ المرحلة الأولى بالتعذيب والتحقيق القاسي من قبل المخابرات الاسرائيلية، مرحلة يتعرض فيها الإنسان لشتى أنواع التعذيب الذي يمكن أن تتخيله، ابتداءاً من الثلاجة ثم الكرسي الذي نجلس عليه مكبلين ولا نستطيع الوقوف، مروراً بالماء البارد الذي نستحم به في ظروف البرد القارس، وصولاً إلى تنتيف اللحى وعدم النوم لمدة ثلاث أيام أو أسبوع، والضرب بالعصى والتعذيب النفسي، ناهيك عن التهديد بقتل الأهل .
ومن أساليب التعذيب التي إستخدمها السجانون معي أنا شخصياً، قاموا بإحضار أمي وأبي وإخواتي البنات وهددوني بقتلهم إن لم أعترف وسيقولوا بعد ذلك بأنهم قُتلوا في حادث طرق، واحتجزوهم لمدة يومين متواصلين وتركوا والداي بعد أن أصيبا بغثيان جراء مكوثهما في غرفة تصدر هواءً براد وساخناً طوال الليل بالليل.
فكل أساليب التعذيب التي يمكن أن تتصورها في مخيلتك تجدها في الزنازين الإسرائيلية التي تسمى بـ"المسلخ".
* ما هو المسلخ؟
* هو كما تذبح الشاه وتفصل جلدها عن جسمها ، هو ذات الشيئ يتعاملون به مع السأير الفلسطيني، بحيث لا إنسانية، ويمنعوا عنه النوم والشراب والذهاب حتى للحمام.
* كيف تم الحكم عليك ؟
* المحاكم الإسرائيلية هي محاكم صورية، والاعترافات الموجودة كانت تؤخذ من الاعترافات الموجودة في الشرطة، وكان المحقق ينقل هذا الملف من الملف الموجود لديهم وينقل الاعترافات كما هي، وفي المحكمة الإسرائيلية وبواسطة المحامية الاسرائيلية الخاصة بي أثبتت أن كل ما هو مكتوب منقول من الملفات ، وبناءاً على ذلك قام أحد القضاة بتبرئتي براءة كاملة من التهم الموجهة إلى، لكنهم فيما بعد قالوا لي أن هناك قرار من المخابرات الإسرائيلية بالحكم عليك بالسجن المؤبد، لذلك كان حكمي في النهاية حكماً بالسجن المؤبد صادر من المخابرات الاسرائيلية، وليس من القضاة، لأن القضاة لعبة في يد المخابرات.
* ما رأيك في التضامن العربي والاسلامي مع الأسرى الفلسطينيين؟ .
* الحقيقة هذا شيء مضحك مبكي، لأنني عندما كنت في السجن، لم يكن العالم العربي والإسلامي يحمل قضايانا، والآن مثلاً هناك أسرى كثر يضربون عن الطعام في سجون الاحتلال، فنجد قضية التفاعل العربي والاسلامي معهم معدومة تقريباً، وفي الحقيقة لا نجد تعاطف وتعاطي مع الأسرى في سجون الاحتلال بشكل يتناسب مع تضحياتهم التي يقدمونها داخل وخارج السجون.
فمثلاً، ما هي الفعاليات التي نظمت من اجل الأسرى المضربين الآن عن الطعام، هل بإمكانك أن تعطيني دولة عربية وإسلامية دعت إلى تظاهرة حاشدة ضاغطة على الاحتلال؟
الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام لا بد من وقفة جادة معهم سواء من قبل الشارع الفلسطينى أو الشارع العربى والإسلامى، فالأسرى الفلسطينيين كانوا يقاتلون ويدافعون عن كرامة الأمة الاسلامية بأكملها ولم يعتقلوا من أجل قضايا خاصة بهم، دافعوا من أجل فلسطين والقدس والمسجد الاقصى.
* ماذا تفعل الآن بعد أن قضيت مدة طويلة في سجون الاحتلال؟
* الحقيقة أنا على تواصل مع الأسرى الفلسطينيين المعتقلين فى سجون الاحتلال عن طريق جمعيات ومؤسسات، أقوم بمناصرة الاسرى والمعتقلين فى كل الفعاليات الموجودة وخاصة الموجودة فى قطاع غزة أمام الصليب الأحمر , والى جانب ذلك شاركت في فعاليات عديدة خارج فلسطين من أجل تفعيل ملفهم على المستوى الدولى وفي المحاكم الدولية لتجريم هذا الاحتلال فى قضية الاعتقال خاصة بعد أن حصلت السلطة الفلسطينية على دولة عضو غير مراقب فى الأمم المتحدة، وهذا شيئ مهم لأننا فى هذا الوقت بحاجة الى حاضنة سياسية سواء من السلطة الفلسطينية أو غيرها لتحمل ملف الأسرى في سجون الاحتلال.
* ماذا استطعتم ان تغيروا داخل السجون؟
* على مدار سنوات طويلة من الأسر استطعنا تغيير نمط الحياة داخل السجون، استطعنا ان نحولها الى قلاع للصمود والصبر والثبات لتخريج الأبطال وتعليمهم وتثقيفهم بحيث استطعنا أن نفرض على ادارة السجون نمط الحياة الذي نريده، فكانت معركة بيننا وبين ادارة السجون، فتارة نهجم ويتراجعون هم، وتارة أخرى هم يهجمون ونحن نتراجع، ومن طرفنا نحن كنا نملك وسيلة واحدة للدفاع عن أنفسنا وكرامتنا وهى الاضراب عن الطعام، ففى كل 4 سنوات تقريباً يكون هناك اضراب عن الطعام.
في الحقيقة استطعنا أن نحول السجون الاسرائيلية إلى جامعات ومدارس يتخرج منها الأسرى والمعتقلين ليواصلوا درب الجهاد فى تحرير فلسطين.
* أنت من سكان القدس، كيف كانت طفولتك هناك؟
* الطفولة فى القدس كما هى فى شوارع ومخيمات ومدن باقي فلسطين , نعم قد تكون الطفولة فى القدس أصعب من غيرها من الأماكن الأخرى لأن الاحتلال يواجه ويقمع الطفولة يومياً على مدار اللحظة وعلى مدار الساعة، والحقيقة فإن الحياة فى القدس على الرغم من أنها كانت مدينة متقدمة عمرانياً دون غيرها إلا ان الاحتلال كان يفرض على الطفل نوع من الخوف والرعب، في محاولة منه تجهيل ثقافة الشباب العربى فى القدس".
أنا ولدت ونشأت فى أسرة متدينة وملتزمة وكان التزامى الاسلامى منذ طفولتى، تعلمت ودرست في مدينة سلوان الابتدائية والاعدادية ثم مدرسة دار الأيتام الاسلامية , كنت أحب العلم والدراسة لذلك كان تعلقى بالمدارس أكثر من أي شئ آخر، أذكر أنني نشأت فى بيت فى سلوان، بيت يحب الوطنية، كانت هناك مقبرة لليهود أرادوا بناء سور لها وأتوا لشراء الماء فرفضت أنا بيعهم ، وعرضوا علي دفع نصف التكاليف فى الشهر، فذهبوا للمختار وتكلموا معه على أنهم سيقومون بدفع كل التكاليف
* منذ متى لم تزر مدين القدس؟
* منذ ان تم اعتقالي قبل 31 عاماً
* هل تحن إلى القدس؟
_ طبعاً، الانسان يحن للمكان الذى ولد وترعرع فيه، وأياً كان هذا المكان فى العالم، فما بالك اذا كان المكان هو القدس مكان الولادة والمنشأ والتربية , طبعا أحن إلىها ولا أستبدلها بأي مكان فى العالم , وساقول لك شئ ستستغرب له وهو "أننى طوال فترة اعتقالي فى السجن كنت أشعر بأنى فى القدس لأنى أجبرت على الخروج منها، والان حين تم ابعادي عنها الى قطاع غزة لا أعتبر نفسى فيها , ولكن القول بأن القدس هى معنى فاينما ذهبت فالقدس فى عقولنا وفى أفكارنا ووجداننا ولن ننسى القدس، وباذن الله سنعود اليها وهى حرة من دنس الاحتلال.
news_share_descriptionsubscription_contact


