حازم بدر
القاهرة- الأناضول
في رحلته اليومية من مسكنه بمدينة السادس من أكتوبر، غرب القاهرة، إلى مقر عمله بوسط القاهرة تعود الطبيب محمد شكري أن يمضي زمن الرحلة الذي يستغرق قرابة الساعة والنصف في قراءة صحيفة "المصري اليوم" الخاصة، لكنه لم يجد اليوم عند بائع الصحف سوى الصحف المملوكة للدولة.
شكري ورغم أنه قرأ بالأمس إعلانا صدرت به الصحيفة صفحتها الأولى أخبرت فيه القارئ بقرار احتجابها وعدد من الصحف الخاصة والحزبية، إلا أنه قال لمراسل وكالة الأناضول للأنباء: "للأسف نسيت الإعلان.. ووقعت أسير سلوك يومي تعودت عليه منذ ما يقرب من خمس سنوات".
واحتجبت اليوم "المصري اليوم" التي تعود شكري على قراءتها استجابة لحملة دعت لها اللجنة القومية للدفاع عن حرية التعبير برئاسة الأديب بهاء طاهر، وشاركت فيها 10 صحف مصرية أخرى هي "اليوم السابع"، "التحرير"، "الوطن"، "الصباح"، "الشروق"، "الوفد"، "الأهالي"، "الأسبوع"، "الأحرار"، "الفجر"، وتشارك بعض القنوات الخاصة في نفس الحملة، حيث أعلنت قنوات "أون تي في"، و"دريم"، و"CBC" عن تسويد شاشتها لعدة ساعات غدا الأربعاء.
ويقول القائمون على هذه الصحف والقنوات إن الهدف من الاحتجاب هو إظهار الاحتجاج على "التضييق على الحريات العامة" في الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي الشهر الماضي، وعلى مشروع الدستور الجديد، وخاصة ما يتعلق بعدم تضمنه مادة تحظر حبس الصحفيين في جرائم النشر.
وفي المقابل يقول واضعو مشروع الدستور إنه تضمن "أفضل" ما قدمته الدساتير المصرية السابقة في مجال الحريات، خاصة وأنه سمح للأفراد بإصدار الصحف بمجرد الإخطار، وعدم إغلاقها إلا بحكم قضائي.
ومع غياب الصحف الحزبية والخاصة عن سوق الصحافة، لم يجد شكري أمامه إلا الصحف المملوكة للدولة: "الأخبار" ، "الأهرام"، "الجمهورية" ، "روز اليوسف"، وقال: "اضطررت لشراء إحداها لأني تعودت أن أمضي الرحلة لمقر عملي وأنا أقرأ ".
هذا القرار الذي اتخذه شكري وجد محمد حنفي نفسه مضطرا إليه – أيضا – بسبب غياب صحيفته المفضلة وهي " الشروق".
حنفي، الذي كان يمضي وقت الرحلة من مسكنة بمدينة قليوب، شمال القاهرة، إلى مقر عمله قارئا لصحيفة "الشروق" الخاصة، قال وعلامات الأسى تبدو على وجهه: "اضطررت أنا الآخر لشراء إحدى الصحف القومية حتى أضيع وقتي.. لكنها لم تمتعني مثل صحيفتي المفضلة".
ما شعر به حنفي وشكري من ضيق وهما يجبران على قراءة صحيفة غير التي تعودا عليها، هو ما يعتبره الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز "نجاحا" للحملة.
وقال عبد العزيز في تصريح خاص لمراسل وكالة الأناضول "ما حدث اليوم رسالة للقارئ من أنه يمكن أن يحرم من وسيلة الإعلام التي اعتاد التعرض لها والثقة فيها.. فهو يعلم اليوم أنه على المحك.. كما أنه رسالة قوية ستجد صدى بالخارج لدى الجهات الدولية المعنية بالحريات".
ووصف عبد العزيز هذه الوسيلة بأنها "مقبولة، وتجلب قطاعات عريضة للضغط على السلطة التنفيذية من أجل التراجع عن سعيها نحو تقييد الحريات سواء بالإعلان الدستوري أو بمواد مشروع الدستور الجديد".
وأضاف: "كما يضرب العمال في مصانعهم ويعلق القضاة أعمالهم، فإن الصحفيين يحتجون بطريقتهم وهي الاحتجاب عن الصدور.. وهذا الصمت أبلغ من الاحتجاج بالصوت العالي".
ويأخذ احتجاب الصحف اليوم زخما إعلاميا كونه يأتي في إطار وضع سياسي ملتهب بالشارع المصري، لكنها ليست المرة الأولى التي تقرر فيها صحف مصرية الاحتجاب، حيث سبق أن احتجبت الصحف أربع مرات قبل ذلك، كما أوضح الخبير الإعلامي.
وكان أول احتجاب للصحف المصرية في عام 1914 احتجاجا على إعلان الحماية البريطانية على مصر، كما احتجبت عدة صحف اعتراضا على القانون رقم 93 لسنة 1995 ، والذي كان سيضع قيودا على حرية الصحافة، واحتجبت عدة صحف في 9 يوليو/تموز 2006 احتجاجا على مشروع قانون يسمح باستمرار العمل بعقوبة الحبس في قضايا النشر، كما اتفق 15 رئيس تحرير في صحف حزبية وخاصة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2007 على الامتناع عن إصدار صحفهم، احتجاجا علي صدور أحكام ضد 10 صحفيين، بينهم 5 رؤساء تحرير بتهمة إهانة قيادات في الحزب الوطني الحاكم سابقا، وتحريف تصريحات لأحد وزراء النظام السابق.
من جانبه، وصف إبراهيم منصور، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة "التحرير"، الخاصة قرارهم بالاحتجاب بأنه "محاولة لإشراك القارئ في الاحتجاج، ولفت انتباهه إلى أن هناك مشكلة ما في نظام الحكم".
وقال: "نريد أن يعرف القارىء أننا نسير نحو الديكتاتورية والفاشية الدينية التي لا ترى مصلحة المجتمع وكل ما يعنيها هو مصلحة حزبها وجماعتها، وهو ما ظهر في دستور مشبوه وإعلان دستوري مكبل للحريات ".
ويشير منصور إلى جانب الهدف الداخلي، لهدف آخر خارجي وهو توجيه رسالة للخارج، موضحاً "نحن في مجتمع مفتوح والخارج أصبح له تأثير، بل إن الرئيس مرسي نفسه جاء بمباركة الخارج وتحديدا أمريكا، واحتجابنا رسالة ليعرفوا ما آلت إليه الحريات في عهد الرئيس الذي دعموه ".