كوثر الخولي
القاهرة - الأناضول
احتفل أكمل الدين إحسان أوغلو القاهري المولد التركي الجنسية بإصدار النسخة الإنجليزية من دراسته التوثيقية "الأتراك في مصر وتراثهم الثقافي" في احتفالية أقامتها مساء أمس الأحد الجامعة الأمريكية بالتعاون مع السفارة التركية بالقاهرة.
يرتحل إحسان أوغلو بين دفتي كتابه الذي اقتربت صفحاته من الخمسمائة صفحة ليصل إلى "سر" تشكل النموذج "المصري العثماني" نتيجة لتطور القاهرة الذي كان يحاكي إسطنبول في البداية، ليعرض بوضوح كيف ارتبط تاريخ مصر بتاريخ تركيا، وإلى أي مدى يرتبط مصير إسطنبول بمصير القاهرة، بحسب وصف رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي.
ويدلل أردوغان في مقدمة كتاب إحسان أوغلو التي كتبها بنفسه على "وحدة المصير" المتجلية في تلك الرابطة التاريخية والتي تشكل بالضرورة وجهة المستقبل بقوله: "..فقد نرى بين عالم يدرس في القاهرة وشاعر أو مؤلف لكتاب في اسطنبول ظهور خط متصل يتجاوز الزمان والمكان، وهذا الخط قد ربط برباط وثيق بين الشعبين، وكشف عن أهمية كبيرة في حاضر العلاقات بين المجتمعين التركي والمصري".
وفي كتابه يكشف إحسان أوغلو عن التأثيرات الاجتماعية والثقافية التى وقعت بين الأتراك والمصريين والتى ترسخت فى مصر قرناً ونصف القرن من الزمان حتى أصبحت وكأنها جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري.
و يرى المؤلف أن تاريخ الأترك فى مصر لم يحظ حتى الآن بالعناية والاهتمام اللازمين رغم تشعبه واتساعه على الرغم من توجههم نحو مصر منذ نهاية القرن الثامن عشر، لذا يحاول من خلال كتابه أن يلقى الضوء على مناطق يعتبرها لم تلق حظا وافرا من البحث والدراسة فى تاريخ العلاقات المصرية التركية عبر دراسة استغرقت منه نحو40 عاما.
جاء الكتاب بنسخته العربية في 493 صفحة من القطع الكبير، وصدر عن دار الشروق المصرية، صدرت منه طبعتان الأولى عام 2011، والثانية في 2012. أما النسخة التركية فقد صدرت الطبعة الأولى منها عام 2006 عن مركز إرسيكا التركي، وحصلت على جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز للترجمة لعام 2008، وجاء الاصدار الانجليزي للكتاب في نوفمبر 2012 من خلال رعاية كل من الجامعة الأمريكية والسفارة التركية بالقاهرة.
يعرض الكتاب في محاوره الثلاثة عشر، المقسمة إلى فصلين أساسيين بعنوان؛ "الأتراك في مصر وثقافتهم منذ القرن التاسع عشر"، و"الطباعة في مصر وما طبع بها من آثار الثقافة التركية"، لكيفية تغلغل الثقافة واللغة التركية فى الحياة الاجتماعية فى سراى الخديوي والأوساط الأرستقراطية المحيطة به وفى الإدارة والجيش والتعليم وحركة الترجمة فى مصر ومكانة اللغة التركية فيها.
ويلقي إحسان أوغلو الضوء على الكتب التركية المطبوعة فى مصر والدور الذى لعبته مطبعة بولاق منذ عهد محمد على وفروع المعرفة التى تناولتها تلك الكتب ولم يغفل الكتب التى ترجمت من التركية إلى العربية وطبعت فى مصر وكذلك الصحف والجرائد التركية الصادرة فى مصر.
ومن الملاحظات التحليلية التي ركز عليها إحسان أوغلو في دراسته؛ أن اللغة التركية في مصر قد شكلت لنفسها بيئة حية، غير أن هذه البيئة "قد جفت منابعها مع مرور الوقت حتى بلغ خط مسيرها نهايته المنتظرة".
ويذكر أوغلو بالشباب المصريين الذين تخرجوا في المدارس المدنية والعسكرية الحديثة التي أقامها محمد علي لكي يتعرفوا عن قرب على الثقافة العثمانية من خلال تعلمهم اللغة التركية والدروس الأخرى ضمن البرامج التعليمية لتلك المدارس، فكان رجال الدين المدنيون والعسكريون الذين نشأوا من بين هؤلاء وكذلك المثقفون هم الذين شكلوا الوجه المصري من تلك الثقافة العثمانية.
المرتحل بين صفحات كتاب الباحث والمؤرخ إحسان أوغلو سيجد متعة في التعرف على طرز الحياة الاجتماعية أيام محمد علي باشا، وخاصة عند الاقتراب من الثقافة السائدة وقتذاك وخاصة في الموسيقى والغناء وآساليب الترفيه، وفي الملبس والمأكل والتي كانت تمارسها الطبقات الارستقراطية والبرجوزاية الجديدة، وذلك مع نمو حجم الجهاز الإداري المدني والعسكري.
وامتد التأثير التركي العثماني في مصر في عهد محمد علي، كما يعرض أوغلو، حتى وصل الى مساحات ثقافية أوسع تشكلت من احتذاء الثقافة العثمانية الاستانبولية حتى عرفت بصفة "استانبوللي" والتصقت بها، حتى بدت واضحة داخل المجتمع المصري حتى الحرب العالمية الثانية وخاصة بين سكان المدن الكبرى.
ويؤكد أوغلو أن مفهوم القومية الذي تحول إلى تيار فكري وسياسي نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن موجودا في بداية ذلك القرن بين المجتمعات والطوائف المسلمة المقيمة فوق أراضي الدولة العثمانية الممتدة على قارات ثلاث، أي أن إدعاء أمة بالتفوق باعتبارها صاحبة حق إلهي أو تاريخي لم يكن قائما بين الشعوب الاسلامية في أوائل القرن التاسع عشر وخاصة في أذهان المثقفون الأتراك والمصريون، وعلى العكس منهم كانت هذه الفكرة تسيطر على عقول الانجليز والفرنسيين المتواجدين على أرض مصر أنذاك.
يعتبر إحسان أوغلو أن هذا الكتاب بمثابة "وفاء لدين، وأمانة للتاريخ"، في إشارة إلى الظرف التاريخي الذي نشأ في ظله أوغلو نفسه، حيث كان ثمرة زيجة من أب تركي وأم سكندرية (من محافظة الإسكندرية شمال مصر)، وكان مولده ونشأته قاهرية، مما جعل تعاطيه مع هذا الكتاب "ذو مذاق خاص وأحاسيس عميقة".
يقول إحسان أوغلو واصفا علاقته بالكتاب: "هذا الكتاب هدف حياة ونتاج مصير" ، "إنني أشعر بمسئولية معنوية وبأحاسيس عميقة مختلفة هذه المرة".
يعد أكمل الدين إحسان أوغلو أحد الوجوه البارزة في بحوث التاريخ والثقافة والعلوم؛ فقد عمل عضوًا بهيئات التدريس وباحثاً في عدد من الجامعات في تركيا ومصر وأوربا وأمريكا، وتم تعيينه في سنة 1980 ليكون أول مدير عام لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية "إرسيكا" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، كما يعتبر أول أمين عام منتخب يأتي على رأس منظمة التعاون الإسلامي في سنة 2005.