غزة - الأناضول:
أطفال كأزهار الربيع، يرهق المرض أجسادهم الصغيرة.. هم وجه آخر من أوجه المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة المحاصر منذ قرابة ست سنوات من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي يمنع دخول العديد من أنواع الأدوية والمستلزمات الطبية، حسبما يؤكد مسؤولو الصحة في غزة.
وتقول وزارة الصحة في قطاع غزة إن 253 صنفًا من الأدوية الأساسية و211 صنفًا من المستهلكات الطبية قد نفدت من مستودعاتها، فيما أوضح الطبيب أشرف القدرة - الناطق باسم الوزارة لوكالة "الأناضول" - أن تدهورًا كبيرًا لحق بـالرصيد الدوائي بفعل الحصار المفروض على القطاع.
ويؤكد أن مرضى غزة "يدفعون ثمناً قاسيًا جراء غياب أبسط حقوقهم العلاجية من الأدوية والمستهلكات الطبية الأساسية في ظل صمت المجتمع الدولي".
وفي مستشفى "عبد العزيز الرنتيسي" التخصصي للأطفال بغزة، يتجسد هذا "الثمن القاسي" حيث يدوّي صوت الطفل عزمي سمور، الذي لم يبلغ بعد العاشرة من العمر، بسبب نفاد صبره من عمليات غسيل الكلى المتواصلة، والمرهقة لجسده النحيل بقوله "تعبت.. حرام عليكم.. لا أريد العلاج".
ويعد هذا الطفل مثالاً حيًا لمأساة نقص بعض أنواع الأدوية بفعل الحصار، حيث أصيب بفشل بإحدى كليتيه، وتسبب دواء "بديل" عن الدواء الأصلي، بفشل كليته الأخرى.
تقول والدته لوكالة "الأناضول" التي زارت المستشفى: "يعاني عزمي من فشل كلوي منذ سنة تقريبًا، وهو بحاجة لعلاج بدواء "ألبومين" الذي انقطع منذ سنتين عن القطاع".
وتكمل بعدما فقدت تماسكها، وبدأت بالبكاء: "أثناء استعدادنا لزراعة كلية جديدة له، تم علاجه بدواء بديل عن الدواء الأصلي مما أدى إلى فشل كليته الأخرى".
وفي حالة مماثلة، وأكثر مأساوية، يضطر الطفل يحيى السمنة ذو الثلاث سنوات فقط، للخضوع لـ"غسل الكلى" المرهق، أربع مرات في الأسبوع، بسبب نقص العقار ذاته.
يعاني يحيى من خلل وراثي تسبب بمشاكل في تركيبة عمل الكلى، ما يؤدي لانتفاخ في البطن ناتج عن "تسريب البروتين في البول"، ويحتاج إلى جرعات كثيرة من هذا العقار يوميًا كبديل عن فقد البروتين من جسمه.
ويؤكد الطبيب محمد الهبيل، مدير عام الإدارة العامة للصيدلية في مستشفى الرنتيسي وجود عشرات الحالات التي تحتاج لنفس العلاج.
ويوضح لوكالة "الأناضول" أن "نقص الدواء يتسبب بمآسٍ لشريحة من الأطفال يعانون من أمراض كـالقلب والأعصاب والكلى والتنفس والدم والأورام".
كما يشير إلى وجود نقص في أدوية أمراض الدم والأورام مثل "حقن الدسفرال" والتي تعطى للأطفال المرضي بأنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا)، والتي تساعد على إزالة الحديد عن طريق الكلى وتمنع التسمم في الدم.
ويتابع قائلاً: "نعاني أيضًا من عجز في حقن "آي في آي جي" الوريدية المستخدمة في حالات نقص المناعة عند الكبار والصغار وحالات نقص "الصفيحات الوردي المناعي" للأطفال والمرضى الذين يعانون من التهابات في الأوعية الدموية.
كما يشير إلى نقص في بعض "العلاجات الكيماوية لمرضى الأورام التي تؤخذ في بروتوكولات علاجية محددة حسب طبيعة المرض" وفي "الحليب العلاجي لمرضى قسم العلاج الهضمي، كحليب "نيو كيت"، والذي لم تستطع وزارة الصحة توفيره خلال الآونة الأخيرة.
كما يلفت إلى "المهمات الطبية" المفقودة مثل "القساطر وفلاتر الكلى ولاينات الغسيل الدموي".
من جهته، يحذر رئيس قسم الدم والأورام في مستشفى الرنتيسي، محمد أبو شعبان، من وجود أزمة كبيرة في علاج الأطفال المرضى جراء نقص بعض الأدوية.
ويقول لـ"الأناضول": "لدينا شح في أدوية أمراض مثل "الهيموفيليا" (سيولة الدم)، فنضطر لاستخدام علاج بديل وهو من مشتقات الدم المرسب البارد مع ما فيه من خطورة نقله لبعض الأمراض".
ويتابع "كما نعاني من شح في أدوية أمراض السرطانات، مما يستدعي لنقل المرضى للعلاج في الخارج".
ويتهم أبو شعبان الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية أيضًا بعدم السماح بإدخال كميات من الأدوية للقطاع، موضحًا أن "هناك حصة معينة يسمح بدخولها تقدر بأربعين بالمائة من الدواء المقدم، لكن بعض الأطراف في الضفة تمنع وصولها إلى غزة".
لكن الطبيب عمر النصر، المتحدث باسم وزارة الصحة في الضفة الغربية، ينفى اتهامات أبو شعبان، مؤكدًا أن السبب في عدم إدخال الأدوية إلى غزة هو الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة الفلسطينية، مضيفًا: "أزمة الدواء في غزة هي انعكاس للأزمة في الضفة الغربية".
ويبين أن "هناك أزمة دواء في الضفة الغربية أيضًا بسبب عدم وجود التمويل والأزمة المالية في السلطة، ونحن نأمل من كافة الدول المانحة الوفاء بالتزاماتها تجاه السلطة كي تتمكن من توفير كافة الاحتياجات، وبما فيها الأدوية إلى غزة".
يب/عب/حم