هاجر الدسوقي
رفح (مصر) - الأناضول
"صحيح أن القوات المسلحة ردمت مؤخرًا بعض الأنفاق لكن الردم يكون فقط لأول النفق، ولا يصل إلى 10 أمتار من النفق نفسه، وننتظر فترة ثم نقوم بفتحه مرة أخرى لأنه مصدر الرزق الوحيد لنا"..بهذه الكلمات يلخص "أبو إسماعيل" الوضع الحالي للأنفاق الحدودية التي تربط بين مصر وقطاع غزة.
نفق "أبو إسماعيل" يقع في منطقة صلاح الدين وهو عبارة عن شريط حدودي ممتد بين رفح وقطاع غزة حيث تفوح منها بقوة رائحة السولار والمازوت التي خلفتها سيارات كانت تنقلها إلى أول النفق مقابل بضعة دولارات.
أبو اسماعيل الذي يسكن حي البراهمة في المنطقة قال لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء "هناك أنفاق كثيرة في رفح، ومهما حاولوا ردم بعضها، يبقى البعض الآخر بعيدًا عن الأنظار، أصحابها يزرعون شجر الموالح والزيتون أمام النفق من باب التمويه، حتى يخيل للمار من أمام النفق أنه لا يوجد شيء".
ويحكي أبو اسماعيل واقعة طريفة في معرض تبريره للجوئه إلى الاشتغال في تجارة الأنفاق فيقول: "كنت جالسًا في بيتي، وفجأة وجدت أناسًا أغرابًا من دولة ثانية يدخلون بيتي من أسفل (قادمين من نفق حفروه)، فماذا أفعل: أعمل معهم أم يخربون بيتي؟"
امتداد الأنفاق من حي البراهمة لمنطقة منفذ رفح ليس سرًا بطول كيلومترين تقريبًا، فالجميع هناك يعرف أسماء العائلات التي تعمل بالأنفاق، ويعرفون طبيعة كل نفق واختلاف مهمته عن الآخر سواء النفق الذى ينقل الأفراد أو البضائع أو حتى السلاح.
"أبو إحسان"، صاحب نفق يبدأ في الجانب المصري من داخل منزله المكون من حجرتين متجاورتين، يرفض التصوير ويكتفي بالقول: "أصحاب الأنفاق كانوا يخافون دومًا أن يفقدوا النفق الذى يدر عليهم أموالاً طائلة، ولكن الآن بعدما بدأ الجيش في هدم الأنفاق، أصبح كل صاحب نفق تعرض للإغلاق والردم يسأل نفسه: لماذا تركوا نفق فلان يعمل حتى الآن؟".
عدد من أهالي منطقة صلاح الدين الذين يملكون أنفاقًا في بيوتهم أبدوا تضررهم من قيام الجيش بهدم أكثر من ثلاثين نفقًا حتى الآن.
أحدهم قال للأناضول إن الأنفاق موجود بصورة علنية داخل قطاع غزة منذ أكثر من ست سنوات وأهالي قطاع غزة يعتبرون الأنفاق شرعية ولها تصاريح، بينما تحيط السرية بتلك الأنفاق في رفح المصرية، حيث يخشى أصحابها الهدم والإزالة، أو أن ينالوا نفس مصير ما يزيد عن 400 من أصحاب الأنفاق الذين أخذوا أحكامًا بالسجن في السنوات الماضية.
بالمنطق نفسه، دافع "أبو إسماعيل" عن استمرار الأنفاق قائلاً: "الأنفاق في غزة لها ما يشبه التراخيص لأنهم يرونها حقًا ونافذة ضرورية لكسر الحصار الإسرائيلي المتواصل على القطاع".
ورأى أبو إسماعيل أن السلطات المصرية تتفهم هذه الحقيقة في النهاية رغم تضييقها على أصحاب الأنفاق هذه الأيام، وقال: "السلطات المصرية طبعًا قادرة على منع كل الأنفاق نهائيًا لكنها لو فعلت ذلك لأضرت بنصف شعب سيناء ولفقدت تعاطف الشعب الفلسطيني".
وعن تكاليف الرحلة داخل الأنفاق، أوضح أبو إسماعيل أن الأسعار داخل الأنفاق تتحدد بناء على طبيعة النفق ويمكن أن تصل إلى 50 دولارًا للفرد الواحد، وهو ما يعتبره أصحاب الأنفاق "رخيصًا جدًا" مقارنة بتكاليف العبور عن طريق منفذ رفح الحدودي.
ولفت إلى أن أكثر مرتادي الأنفاق هم أهالي غزة الذين يعملون في الخليج حيث يسلكون الأنفاق فورًا إذا ما وجدوا المعبر مغلقًا أو هؤلاء الذين يواجهون مشاكل أمنية، فيصبح النفق بالنسبة لهم الحل الوحيد".
وعن كلفة نقل البضائع المختلفة عبر الأنفاق، رأى عدد من ملاك الأنفاق أنها أقل بكثير خاصة أنها "بدون جمارك" قد تفرض عبر معبر رفح على أصحاب تلك البضائع.
وأوضح أبو إسماعيل: "لا يوجد منتج أو بضاعة وصلت من رفح إلى غزة إلا عن طريق الأنفاق، لو كانت الدولة (المصرية) تفتح المعبر 24 ساعة، وتجعل تكاليف البضائع أرخص لاختلف الأمر تمامًا".
وأشار إلى أن البضائع تشمل كل شيء بدءًا من حفاضات الأطفال مرورًا بالأدوية التي يحتاجها أهالي غزة ووصولاً إلى الأجهزة الكهربائية، التي يشتريها التجار لبيعها في غزة بفارق سعر مضاعف.
ويبدأ النفق عادة من داخل أحد المنازل الصغيرة المترامية بجوار منفذ رفح بعمق يمكن أن يصل إلى 20 مترًا لينتهي عند الطرف الآخر في قطاع غزة داخل أحد المنازل أيضًا، ويقدر أصحاب أنفاق في منطقة رفح إجمالي عددها بنحو 225 نفقًا رئيسيًا.