حسام الدين السيد
القاهرة – الأناضول
"كان يوم اسود يوم ما انتخبناه".. قالها غاضبا، ثم ولى وجهه شطر الميدان مسرعًا ليلحق برفاقه الذين ارتدوا ملابس وأقنعة سوداء، ووقفوا يتحدون قوات الأمن في يوم الاحتفال بمرور عامين على ثورة 25 يناير 2011.
لم يكن أحد من هؤلاء الأصحاب قبلها يعرف معنى الانتخاب أو التصويت الذي مارسوه لاحقا بحماس هائل، وكان معظم اهتمامهم العام منصبًا على مباريات كرة القدم التي تماهوا معها، هي وأغاني فريق "أولاد الشوارع" الذي كانوا يرددون أغانيه طوال اليوم والليل حتى يشتكي الجيران. The Backstreet Boys
وهم نفس الشباب الذي رفض بقوة عودة رموز النظام الذي سقط عبر صناديق الانتخاب، فأيدوا الرئيس المنتمي للإخوان المسلمين ودعوا الناس له في جولة الإعادة، وها هم يهاجمونه الآن، رغم عدم انتمائهم لأي تنظيمات أو تيارات دينية أو علمانية.
انتقال هؤلاء الشباب وما يمثلونه من خانة الغياب عن الفعل العام إلى الانخراط المنفعل به، تزامن مع أهم متغير يؤثر في تكوين الوعي وينعكس على توجيه السلوك، وهو الثورة التي صنعوها بدمائهم، وأرواح رفاقهم، ما دعا البعض إلى تسميتها في أيامها الأولى "الحراك الشبابي الشعبي" خصوصا للدور البارز الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت في إذكاء أوارها، وتأجيج حماسها، وصناعة توقيت شرارتها.
التعبير عن الثورة كان يعني بالضرورة وبالعلم السياسي والاجتماعي وبالتاريخ وبحقائق الأحداث:
- خروج عن السلطة وعليها: سواء سلطة الأسرة التي حاولت منعهم من النزول للشارع خوفا عليهم، أو سلطة الحاكم الذي يطالبون بإسقاطه، أو سلطة القمع الهائل التي واجهوها بجسارة وفداء، أو سلطة المجتمع الذي لم يكن يرى فيهم سوى هباء، فاكتشف فجأة بفعل الثورة أنه أمام قوة فتية واعية وهادرة.
- استخدام القوة سبيل تحقيق المطالب: سواء القوة المادية في صد عدوان قوات الأمن على المتظاهرين، أو قوة الحشد التي كان لها أثر حاسم في نجاح ثورة 25 يناير، أو قوة الغضب والإصرار على تحقيق المطالب كاملة دون انتقاص أو قبول لمراوغات السلطة ومحاولتها في التحجج والتقسيط، وكانت القاعدة وفقا للزعيم الأمريكي البارز مالكوم إكس "الصوت أو الرصاص".
- المبادرة بأخذ زمام الأمور: إن غابت السلطة أو تلكأت في تحقيق المصالح العامة للناس، وكانت تجربة اللجان الشعبية أوضح مثال على إدارة الناس لمصالحهم والدفاع عن أنفسهم وحماية أهلهم وأملاكهم، بعد تآمر السلطة إبان ثورة يناير عليهم وفتح السجون وسحب الشرطة من الشوارع لإشاعة الرعب والفوضى والصدمة، لكن للمفاجأة لم ينصدم الناس بل تملكتهم مرونة وتحدٍ واجهوا به فراغ السلطة وتآمرها.
- التوقعات للأفضل والأحلام لا حدود لها: فما كان مستقرًا تخلخل، ومنظومة القوة الصارمة التي كانت تمسك بزمام الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا انهارت في غمضة عين، وأحلام الغد الأفضل وإصلاح الأحوال الشخصية والمجتمعية باتت في المتناول، والجميع يردد مقولة الحقوقي الأمريكي مارتن لوثر كينج "عندي حلم".
مياه كثيرة جرت في نهر الثورة والمجتمع على مدى عامين من اندلاعها، ولدت إحباطات بسبب عدم تحقيق كثير من الأحلام الفردية والجماعية بتحسن الأحوال وتعديل المعيشة نحو غد أفضل، فصبر ولم ينل، وزاد الأمر سوءً الاستقطاب والتناحر السياسي بعيدا عن الهموم الرئيسية لعموم المواطنين، وبدا الناس ومنهم شباب يفور، كما لو كانوا يتفرجون على لاعبين في سيرك ملهاة، ولا يعرفون من المسؤول عن تحقيق مطالبهم وأحلامهم المشروعة.
وخلّف ذلك تبعات وآثار قلبت حالة التفاؤل إلى قلق انعكس على سلوك يأخذ أشكالا عنيفة في جوانب عديدة، يمكن من خلالها رصد 10 أسباب لموجة العنف الحالية:
1ـ تزايد العنف الإجرامي والجنائي نتيجة تراخي الشرطة في أداء أعمالها سواء عن إنهاك بسبب ماجرى أو عن تآمر ورغبة في الانتقام من المجتمع الذي كسر شوكتها وبدد سلطانها القديم، كما يتهم بعض الثوار بعض قياداتها، وما يقال في حق الشرطة ينسحب على جميع أجهزة الدولة دون استثناء.
2ـ ترتب على ذلك قيام المواطنين في كثير من الأحيان بمقاومة اللصوص وقطاع الطرق بأنفسهم وأحيانا إنفاذ ما أسموه "سيف العدالة" على رقابهم، ووصل الأمر لحرق بعض اللصوص أحياء عند الإمساك بهم من الأهالي أو قتلهم وتعليق جثثهم على أعمدة الإنارة في الشوارع، في مظاهر ترجع لعصر المماليك.
3ـ الارتباك السياسي وعدم وضوح رؤية ولامشروع للمستقبل عند أي سلطة تولت بعد الثورة، دفع العديد من أصحاب المظالم الاجتماعية للإضراب والاعتصام الذي امتد أحيانا لاستخدام العنف ضد الدولة ومصالحها بقطع الطرق وتعطيل المواصلات، ولم يجد هذا من السلطة سواء كانت المجلس العسكري أو الرئيس المنتخب أو الوزارات المتتالية إلا عدم اهتمام، إذا كان التعبير غير عنيف ( مثل إضراب الأطباء الذي تجاوز الشهرين)، أو استجابة فورية إذا كان التعبير عنيفا ( إضراب عمال المترو، وإضراب سائقي النقل العام ) وطبعا وصلت الرسالة للجميع.. كن أكثر حدة وعنفا، تحصل على ما تريد.
4ـ عدم الوصول لأي نتائج لتحقيق العدالة فيما يتعلق بجرائم قتل المتظاهرين، سواء ماجرى أيام الثورة الثمانية عشر، أو مايجري ويتكرر من حوادث حتى الآن، دون تحديد متهم واضح، ودون أحكام ترضي الناس، مما دفع بعض القوى الشبابية والثورية إلى حصار المحاكم (مستمر في الإسكندرية) وإعلان قائمة "شعبية" بالمتهمين، مهددين بقتلهم بأنفسهم إذا لم تأخذ المحكمة حق المجتمع منهم، خصوصا بعد مايسمى شعبيا مهرجان البراءة للجميع، حيث أحكام براءة كل الضباط المتهمين بقتل الثوار نتيجة ضعف الأدلة واهتراء أوراق القضايا من الناحية القانونية.
5ـ حالة الضعف العام في العمل المدني الأهلي ونشاطه الذي لايستوعب طاقات الشباب ولا رغبات التغيير، حيث دأب النظام الحاكم والإستراتيجية التي اتبعها في تجفيف المنابع على سد المنافذ والطرقات في النهر الرئيسي لحركة المجتمع المصري بحجة قطع الطريق على تيارات الإسلام السياسي، الأمر الذي جعله يسد المنافذ أما تعبير المجتمع عن حيويته ووجوده، مع إضعاف الطبقة الوسطى، بالضغط الاقتصادي عليها، وهي التي تضبط حركة المجتمع وخصوصا حركة العنف والقوة فيه وفقا لقيمها المستقرة وفقا لرؤية علم الاجتماع، من خلال منظومة الضبط الاجتماعي التقليدي، كذلك الفوضى الإعلامية الهائلة التي حولت وسائل الإعلام بكل أشكالها إلى أدوات كيد سياسي يستخدمها كل فريق للتحريض بالعنف على خصومه، سواء كانت قنوات دينية أو ليبرالية أو إخبارية أو حتى قنوات المنوعات.
6ـ استخدام السلطة الحاكمة المنتمية للإخوان المسلمين لوسائل خارجة عن القانون ومشجعة على خرقه، لدرجة أن يُحيي رئيس الجمهورية أنصاره الذين جاءوا لحماية القصر الجمهوري من المتظاهرين واشتبكوا معهم في معارك دامية، ولدرجة أن يحاصر أنصار الرئيس المحكمة الدستورية ومجلس الدولة وغيرهما، بل وصل الأمر أن يكتب أحد مسؤولي جريدة الحزب الحاكم عنوانا فيها "الحرية ليست للصيع والبلطجية"، واصفا بذلك المحتجين في ميدان التحرير ومحرضا عليهم، وهو ما يدعو لتقليد حزب السلطة في سلوكه من رافضين له أو منافسين فيستخدمون نفس الأساليب العنيفة.. الناس على دين ملوكهم لو تذكرون.
7ـ محاولة السلطة "امتلاك بنية القوة" باحتكار الشرعية ومراكز التأثير في القرار وأدوات السيطرة، وفرض وجهة نظرها عن المستقبل وعن المسارات السياسية الأوفق، واحتقار المعارضة ووصفها بالخائبة أو المتآمرة أو غير ذلك، لدرجة تبرير إعلان الطوارئ بما قاله أحد القيادات الكبرى للحزب الحاكم: "إن الفارق بين الطوارئ اليوم وبين الطوارئ التى كان يفرضها النظام السابق أن النواب الآن منتخبون من الشعب انتخابا حرا"، ووفق تحليل العلم السياسي، المطلوب من السلطة في مرحلة انتقالية ثورية أن تعمل على "تماسك بنية القوة" لا امتلاكها وحدها، وهو ما ينعكس على بناء التوافقات والتفاهمات وطرح المشروعات السياسية والاقتصادية الكبرى، التي تدعو للالتفاف حولها ومساندتها.
8ـ النجاحات التي حققتها مجموعات استخدمت القوة في الوصول لأهدافها، ولم يكن مثال الإضرابات العمالية هو الوحيد، لكن هناك أيضا نموذج روابط المشجعين أو ما يعرف بالأولتراس خاصة التابع للنادي الأهلي، الذي ظل ينشط ويستخدم كل وسائل الحركة والتهديد أحيانا وقطع الطرق لبعض الوقت في أحيان أخرى، دفاعا عن حقوق أعضائه الذين قضوا فيما يعرف بمجزرة بورسعيد، حتى اقترب صدور أول حكم قوي بالإعدام للعشرات في قضية من قضايا الثورة وملحقاتها، وهو بالطبع ما يشجع آخرين على سلوك نفس النهج.
9ـ زيادة معدلات الفقر والبطالة ووقف الحال مما ضاعف المعاناة على قطاعات واسعة جدا من المجتمع، وشجعها على التعبير العنيف لأنها ليس لديها ما تخسره، وعلى حد تعبير أحد أساتذة العلوم السياسية أن سن المشتبكين مع الشرطة في الشارع يقل يوما بعد يوم، وبعضهم لم يتعد الثانية عشر عامًا، وهؤلاء غير معنيين بأي حوار، وهم يخافون من الحياة أكثر مما يخيفهم الموت، لأن أحدا لايهتم بهم.
10ـ رد الفعل الفسيولوجي الطبيعي لأي جسم حي، حينما تسد فيه الشرايين والأوردة، فإن الدم لا يتوقف فيه عن الجريان، وإنما يسلك ما يسمى بالطرق الجانبية collaterals or side channels والتي يتدفق فيها الدم معبرا عن حياة ذلك الجسد، وكذلك المجتمعات كونها جسدا اجتماعيا حيا، إذا سدت المنافذ والطرقات الرئيسة فيها، فتحت لها طرق ومنافذ جانبية ليتدفق منها نبض الحياة الاجتماعية، وبالتالي التحول نحو استخدام القوة الذي يصل للعنف هو استجابة طبيعية عند قطاع من المجتمع حدث له ما يسمى في على الاجتماع "اغتراب" قيمي ونفسي، كانت الثورة جديرة بتجسيره وعلاجه، لكن ما جرى بعدها أعاد الأمور إلى حالة ارتدادية في السلوك العام والمجتمعي.
بقيت الإشارة إلى أن استخدام القوة لا يعني في كل الأحوال التخريب، وأحيانا يعكس حيوية باقية، ويلفت الانتباه لقضايا وظواهر، لولا القوة لظل المجتمع والسلطة غافلين عنها، بل إن مجموعات بلاك بلوك التي تتهم أنها آخر صيحة في عالم الاحتجاج العنيف، تقول على صفحتها الرسمية إن أي شخص يرتدي مثلنا ويتورط في حمل سلاح أو مهاجمة منشآت فهو مجرم اضبطوه وحاكموه، فنحن لا نخرب.
وأن كثيرًا من الداعين للعنف والقوة، كانت دوافعهم لذلك هي إحباط من تهاوي آمال كبيرة رفعها النظام الجديد، لدرجة أن يقول الرئيس المنتخب في أول خطاب جماهيري له في ميدان التحرير "في رقبتي" حقوقكم، وحقوق الشهداء، وأحلامكم، ومستقبلكم، وسلامة الدولة، وإبعاد العسكر عن الحكم.. إلخ كل ذلك في رقبتي، وبدا الأمر بعد مرور الوقت كما لو كان النظام الجديد يحمل في رقبته ما لا يطيقه ولا يستطيع، وربما يضيق عليها فيخنقه.
news_share_descriptionsubscription_contact
