قتل ونزوح وشلل اقتصادي.. عدوان إسرائيل يفاقم معاناة اللبنانيين (تقرير)

- قبل اندلاع العدوان الحالي كان لبنان يعاني أزمة اقتصادية خانقة لكن شهادات مواطنين تشير إلى أن الأوضاع أصبحت أسوأ مع ارتفاع الأسعار وفقدان وسائل الدخل

صيدا / وسيم سيف الدين / الأناضول

- قبل اندلاع العدوان الحالي كان لبنان يعاني أزمة اقتصادية خانقة لكن شهادات مواطنين تشير إلى أن الأوضاع أصبحت أسوأ مع ارتفاع الأسعار وفقدان وسائل الدخل
- عباس درويش من مدينة النبطية: فقدت عملي وأصبحت نازحا أعتمد على المساعدات وأجد صعوبة في التأقلم مع الواقع الجديد
- محمد القرص من مدينة صيدا: الحياة أصبحت أكثر صعوبة خاصة للعمال الذين يعتمدون على الدخل اليومي
- معلم الثانوي بسام جمعة: التعليم في النبطية توقف نتيجة القصف والنزوح ونحاول بجهود فردية مساعدة الطلاب على استمرار الدراسة
- وسام البزري من صيدا يقول إن الحركة الاقتصادية أصبحت شبه متوقفة وأسعار السلع ارتفعت خلال وقت قصير

وسط عدوان إسرائيلي متواصل على مناطق لبنانية عدة، تتكشف يوما بعد آخر ملامح أزمة إنسانية ومعيشية متفاقمة، تضاعف وطأة الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، وتدفع شرائح واسعة من المواطنين إلى حافة العجز عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وتعكس شهادات أدلى بها مواطنون للأناضول، صورة قاتمة عن الواقع مع غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، واستمرار المخاوف من تداعيات قد تكون أكثر صعوبة مستقبلا وسط ضغوط المعيشة وفقدان الاستقرار.

وأسفر عدوان إسرائيل الموسع على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الجاري عن 1247 قتيلا و3680 مصابا وأكثر من مليون نازح، وفق أحدث معطيات السلطات اللبنانية.

ويأتي العدوان ضمن تداعيات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حليفة "حزب الله" منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، والتي خلفت آلاف القتلى والجرحى.

وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب الأخيرة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ونوفمبر/ تشرين الثاني من العام التالي.

** "من سيئ لأسوأ"

قبل اندلاع العدوان الحالي، كان لبنان يعاني أصلا أزمة اقتصادية خانقة انعكست على مختلف جوانب الحياة اليومية، إلا أن شهادات مواطنين تشير إلى أن الأوضاع الحالية تجاوزت مرحلة الصعوبة إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور.

إبراهيم (45 عاما) وهو عامل، يقول إن "الوضع الاقتصادي كان دائما على حافة الكفاف"، موضحا أن طبيعة عمله كانت غير مستقرة، مضيفا: "نشتغل أياما ونبقى عاطلين أياما"، في إشارة إلى محدودية فرص العمل حتى قبل العدوان.

ويضيف مفضلا عدم ذكر لقبه، أن الأسواق كانت تعاني ركودا ملحوظا، وأن الوضع المعيشي "لم يكن جيداً، إلا أن اندلاع الحرب أدخل البلاد في مرحلة أكثر قسوة، فالخوف يسيطر على الناس ولا أحد يعرف ماذا سيحدث".

ويشكو أن العدوان أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، مؤكدا أن "الناس لم يعد لديها أموال والواقع الاقتصادي لم يتغير نحو الأفضل بل يسير إلى الأسوأ".

ويختصر إبراهيم المشهد بالقول إن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات بات إنجازا، مضيفا: "إذا كنت تأكل وتشرب فاحمد الله، فهناك من فقد عمله وبيته وحتى أسرته".

** تدهور شامل

من جانبه، يقول خالد (50 عاما) إن الأوضاع الاقتصادية في لبنان "كانت سيئة قبل الحرب، لكنها أصبحت أسوأ بكثير بعدها، في ظل تأثيرات مباشرة طالت مختلف القطاعات".

ويوضح أن تداعيات العدوان الحالي انعكست على فرص العمل وارتفاع الأسعار، إلى جانب تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، قائلاً إن الأزمة الحالية "شاملة من كل النواحي".

ويؤكد مفضلا عدم ذكر لقبه، أن تأمين قوت اليوم لم يعد أمرا مضمونا، حيث لم يعد قادرا على ذلك بشكل يومي، في حين كان قبل العدوان بالكاد يحقق توازنا بسيطا بين دخله ومصروفه.

** شلل اقتصادي

في مدينة صيدا جنوبي البلاد، يرى محمد القرص (60 عاما) أن الوضع الاقتصادي لم يشهد تغيرا جذريا بين ما قبل العدوان وبعده، من حيث ضعف الحركة الاقتصادية، لكنه يؤكد أن الحياة اليومية "أصبحت أكثر صعوبة".

ويشرح أن التحديات المعيشية تتضاعف على العمال الذين يعتمدون على دخل يومي، في ظل التزامات مالية متعددة، تشمل إيجارات منازل، وفواتير كهرباء، وتكاليف تعليم وغيرها، ما يجعل الاستمرار في تأمين هذه الاحتياجات أمرا بالغ الصعوبة.

بدوره، يشير وسام البزري (47 عاما) إلى أن الوضع الاقتصادي قبل العدوان كان "جيدا نسبيا إلا أنه تدهور بشكل كبير بعده، وأصبحت الحركة الاقتصادية شبه متوقفة" قائلا إن "البلد كله خالٍ.. كله متوقف".

ويقول إن مظاهر الحياة اليومية تراجعت بشكل لافت، مع غياب النشاط التجاري والخدماتي، لافتا إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع خلال مدة قصيرة يراوح بين 30 و40 بالمئة، وسط غياب الرقابة الرسمية.

ويضيف أن ارتفاع الأسعار زاد من معاناة المواطنين، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية إلى مستويات متدنية.

** تآكل الدخل

على صعيد آخر، تكشف شهادات النازحين عن تداعيات مباشرة للعدوان، تمثلت في فقدان مصادر الرزق والاضطرار إلى مغادرة مناطقهم.

عباس درويش، وهو من مدينة النبطية جنوبي البلاد، يقول إنه كان يعمل في مجال الأدوات الصحية والتدفئة المركزية، قبل أن يؤدي العدوان إلى توقف عمله نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنطقة.

يقول إنه اضطر للنزوح إلى مدينة صيدا (جنوب)، حيث يعيش حاليا على المساعدات، بعد أن انقطع مصدر دخله بالكامل، مشيرا إلى صعوبة التأقلم مع الواقع الجديد وسط غياب فرص العمل.

في السياق ذاته، يروي إسماعيل بشر، وهو صاحب مطعم في النبطية، كيف أجبره القصف الإسرائيلي على إغلاق مطعمه وترك منزله، ما أدى إلى خسارته مصدر دخله الوحيد.

ويتابع أنه نزح إلى صيدا من النبطية وترك كل شيء خلفه، ليجد نفسه اليوم دون عمل أو مورد مالي، وسط ظروف معيشية صعبة تعتمد على المساعدات.

** تأثر التعليم

ولم يسلم القطاع التعليمي من تداعيات العدوان، إذ يشير بسام جمعة، وهو معلم رياضيات في إحدى ثانويات النبطية، إلى أن العملية التعليمية توقفت نتيجة القصف والنزوح.

ويوضح أن الطلاب حرموا من متابعة تعليمهم بشكل طبيعي، بينما تأثر دخل المعلمين نتيجة توقف الدروس الخصوصية، رغم استمرار الرواتب الرسمية.

ويلفت إلى أنه يحاول بجهود فردية تقديم الدعم للطلاب النازحين من خلال مساعدتهم في الدراسة، في محاولة للتخفيف من آثار الانقطاع عن التعليم.

ومنذ 2 مارس الحالي، حرم نحو نصف مليون طالب لبناني من مدارسهم التي تحولت 350 منها إلى مراكز إيواء لأكثر من مليون نازح جراء العدوان الإسرائيلي المستمر.