أم كلثوم… صوت مصري عابر للغات وآسر لقلوب الأتراك (تقرير)

- المغني التركي عارف ألتون قايا: أم كلثوم شخص تجاوز الفن، في العالم يوجد فن، ثم توجد موسيقى أم كلثوم

إسطنبول / الأناضول

- الكاتب مراد أوزيلدريم: لا أبالغ إن قلت إن أكبر قاعدة جماهير لأم كلثوم بالشرق الأوسط بعد العرب هي تركيا

أم كلثوم ليست صوتا استثنائيا فحسب، بل ظاهرة فنية وثقافية عبرت الحدود واللغات، ووحَّدت القلوب والأذواق حول سحر الطرب الأصيل.

ظل صوت المطربة المصرية حاضرا من القاهرة لينتشر صداه إلى أرجاء الكون ومنه إسطنبول، قادرا على لمس أعماق الأحاسيس حتى دون أن تُفهَم الكلمات.

ورغم مرور نصف قرن على وفاتها بالعام 1975، ما زالت لأم كلثوم مكانة فريدة وموقع خاص في ذاكرة الموسيقى التركية، ويواصل صوتها التأثير بالمستمعين، حتى أولئك الذين لا يفهمون العربية لكنهم يشعرون بعمقها العاطفي.

الأناضول التقت المغني التركي عارف ألتون قايا والكاتب مراد أوزيلدريم ليتحدثا عن تأثير أم كلثوم في الموسيقى التركية وفي حياتهما الخاصة.

بدايةً يستذكر ألتون قايا أول لقاء له بالعام 2006 أو 2007 مع أغنية أم كلثوم الكلاسيكية الصادرة عام 1964 "أنت عمري" ويقول: "أتذكر أنني قلت حينها: إذا كان ما نصنعه نحن موسيقى، فما هذا إذن؟".

ويضيف: "لا شك أن صوتها أدهشني بقوة بل هزَّني حقًّا، لأنك تستمع إلى شيء يفوق بكثير ما تفعله أنت".

ما شعر به ألتون قايا في ذلك اليوم يوافق ما قاله يوما الكاتب المصري عباس محمود العقاد: "أثبتت أم كلثوم أن الغناء في الرؤوس والقلوب، وليس في الحناجر والأفواه فقط".

** حين صمتت الإذاعة التركية

أما أوزيلدريم فقد وثَّق ظاهرة أم كلثوم في كتابه (أم كلثوم والأتراك)، ويقول: "لا أبالغ إن قلت إن أكبر قاعدة جماهيرية لأم كلثوم في الشرق الأوسط بعد العالم العربي نفسه، هي في تركيا".

ومع إعلان مصر عام 2025 "عام أم كلثوم" بمناسبة مرور 50 عاما على وفاتها، صدر كتاب أوزيلدريم في العام نفسه تكريما للفنانة باللغتين التركية والعربية.

ويشير أوزيلدريم إلى أن الهوس التركي بالمطربة المصرية لم ينشأ من موهبتها وحدها، بل من الضرورة أيضا.

ويوضح أن بدايات صعود أم كلثوم في تركيا تعود إلى أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وهي فترة تميزت بالإصلاحات السياسية والتبادل الثقافي.

ويلفت إلى أنه بين عامي 1934 و1936، حُظِرت الموسيقى الكلاسيكية التركية من البث الإذاعي في إطار سياسة التغريب في تركيا، ومع حرمان المستمعين من الأصوات المألوفة، اتجه كثيرون إلى الإذاعة المصرية التي كانت آنذاك أقوى جهة بث في المنطقة.

ويضيف: "كان الناس يبحثون في المذياع عن الموسيقى الشرقية التي دأبوا عليها، فاتجهوا إلى الإذاعة المصرية التي كانت الأفضل في الشرق الأوسط آنذاك".

ويتابع: "ينبغي أن نتذكر أن مصر، بوصفها جزءا من الدولة العثمانية، كانت مكانا لنا فيه تأثير ثقافي كبير وتأثرنا به".

ويردف: "لذلك في مكان توجد فيه مثل هذه التشابهات الثقافية، لم تكن محطات الإذاعة المصرية تبث الموسيقى العربية فقط، بل الموسيقى التركية أيضا. ولهذا جذبت محطات الإذاعة المصرية جمهورا تركيا واسعا".

** قوة السينما

وكانت السينما المصرية آنذاك تشهد ازدهارا، وقد عُرضَت أفلام بطولة أم كلثوم في دور السينما التركية، ما أتاح للجمهور رؤيتها وسماعها في زمن لم يكن فيه تلفاز.

ظهرت أم كلثوم في 6 أفلام طوال حياتها هي: وداد (1936)، نشيد الأمل (1937)، دنانير (1940)، عايدة (1942)، سلامة (1945)، فاطمة (1947).

ويوضح أوزيلدريم بأن 3 من هذه الأفلام عُرضت في تركيا، وهي: نشيد الأمل، ووداد، ودنانير.

ويقول: "لم أستطع العثور على إعلانات أو أدلة تثبت ما إذا كان فيلما فاطمة وسلامة قد عُرضا بالفعل في تركيا أم لا، لكن الأفلام الثلاثة الأخرى لها عشرات الإعلانات في الصحف".

ويشير إلى إعلان نُشر في صحيفة "جمهوريت" التركية بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر 1939، عبَّر عن الحماسة الكبيرة لعرض فيلم "نشيد الأمل" في "سينما تقسيم" بإسطنبول.

** تأثير متبادل

ويؤكد الكاتب التركي أن أم كلثوم كانت تربطها صداقات وثيقة بفنانين أتراك بارزين سافروا إلى مصر والتقوا بها.

ويذكر أنها كانت تعرف الموسيقى التركية، تماما كما كان الفنانون الأتراك في تلك الحقبة ملمين بالموسيقى العربية.

أما من الناحية الموسيقية، فيبيّن أوزيلدريم أن أم كلثوم تركت بصمة في الموسيقى التركية، وأثَّر استخدامها للأوركسترا الكبيرة التي تمزج بين الآلات التقليدية والغربية، مع زيادة عدد آلات الكمان، في الممارسات الموسيقية في تركيا، لا سيما في ستينيات القرن الماضي.

** تأثير أم كلثوم بعد وفاتها

ويرى أوزيلدريم أن ذروة شعبية أم كلثوم في تركيا كانت بين أواخر الثلاثينات وأواخر الخمسينات، أي نحو 30 عاما، كانت خلالها حفلاتها تُبث عبر المذياع وتملأ أفلامها صالات السينما.

ويتابع: "كانت أم كلثوم اسما مألوفا لدى الجمهور التركي لمدة تقارب 30 عاما، لكن في ستينات وسبعينات وحتى ثمانينات القرن الماضي، جرى تلحين مقاطع مختلفة من كثير من الأغاني التي أدتها أم كلثوم، بكلمات تركية ضمن موسيقى الأرابيسك التركية".

ويكمل: "لم يكن اسمها يُكتب، لكن كثيرا من مغني الأرابيسك أدوا أعمالا مشتقة من أم كلثوم".

ويقول: "مع الأسف، لم يكن يُشار إلى اسم أم كلثوم غالبا في هذه الأعمال المشتقة، ومع ذلك واصلت وجودها في عالم الموسيقى التركية من خلال أغانيها".

وعن حاجز اللغة يوضح أوزيلدريم بأن الأتراك لم يكونوا يفهمون الكلمات، لكنهم أحبوا الموسيقى وخاصة صوتها.

** شغف معاصر

الفنان التركي ألتون قايا يشير إلى أن الإعجاب بأم كلثوم بين الأتراك ما زال قائما اليوم، فعلى خشبة المسرح، كثيرا ما يطلب الجمهور أشهر أغانيها.

ويقول: "الناس يطلبون الأغاني المعروفة، مثل أنت عمري، أو الأغاني الشهيرة جدا مثل ألف ليلة وليلة".

ويبيَّن أن مجرد طلب جمهور تركي هذه الأغاني يدل على الحضور الدائم لأم كلثوم، ويكمل: "أم كلثوم معروفة ومحبوبة حقا في تركيا".

ويردف: "أرى أم كلثوم شخصا يتجاوز الفن، في العالم يوجد فن، ثم توجد موسيقى أم كلثوم".

ولدى سؤاله عن علاقته بالمطربة التي غيَّر صوتها حياته قبل قرابة عقدين، جاء جوابه حاسما كعادته: "حبي الأول، حبي الفني هو أم كلثوم. لا أستطيع أن أضع أي شيء آخر مكانها".