جامع "بكلربكي".. تحفة عثمانية تعانق البوسفور في إسطنبول (تقرير)

شُيّد بين عامي 1777 و1778 بأمر السلطان عبد الحميد الأول ويُعد من أرقى النماذج التي تمزج الطراز الباروكي بالمشهد البحري

إسطنبول/ علي عثمان قايا، رويدة مينا مرال/ الأناضول

** شُيّد بين عامي 1777 و1778 بأمر السلطان عبد الحميد الأول ويُعد من أرقى النماذج التي تمزج الطراز الباروكي بالمشهد البحري
** المحاضر في في جامعة مرمرة أفضل الدين قليج:
- من أبرز سمات المسجد اتساع فضائه الداخلي تحت قبة واحدة دون تقسيمات بالأعمدة
- من الملفت توزيع الآيات القرآنية على المداخل بما يحمل رسائل معنوية متصلة بحركة الداخل والخارج

يُعد جامع بكلربكي، الواقع على ساحل منطقة أوسكدار بالشطر الآسيوي من مدينة إسطنبول والمندمج بصريًا مع مياه مضيق البوسفور، أحد أبرز نماذج المساجد التي شُيّدت في القرن الثامن عشر.

ويعرف الجامع أيضا باسم "حميد الأول" نسبة إلى السلطان عبد الحميد الأول الذي أمر ببنائه، ويعكس التحولات الجمالية في أواخر العهد العثماني، ويجمع بين الطابع السلطاني والمشهد البحري في تكوين معماري فريد.

** تأسيس وتاريخ

شُيّد المسجد بأمر السلطان عبد الحميد الأول من أجل والدته ربيعة سلطان، وحمل توقيع المعماري طاهر آغا. وبدأت أعمال البناء في 3 أبريل/ نيسان 1777، واكتملت في 15 أغسطس/ آب 1778، ليفتتح المسجد بصلاة الجمعة.

ويُعد "جامع بكلربكي" (أمير الأمراء)، من المباني الرائدة التي عكست الطراز "الباروكي" في الزخرفة الذي انتشر في أوروبا في القرن السادس عشر للميلاد، بدءًا من إيطاليا والنمسا وإسبانيا وجنوبي ألمانيا، ثمّ ما لبث وأن انتشر في بقيّة أنحاء أوروبا مع حلول القرن السابع عشر.

وتبرز من سماته المعمارية استخدام القوس المدبب، ورفع قاعة الصلاة عن مستوى الأرض مع الوصول إليها عبر درج، إضافة إلى إبراز واجهة البوسفور بمئذنتين تؤطران المشهد البحري.

ويبلغ قطر قبة المسجد الرئيسية 15 مترًا، فيما يلفت الانتباه نظام نوافذ واسع يغمر الداخل بالضوء، إلى جانب الزخارف ذات الطابع الباروكي.

** حريق وترميم

تعرّض المسجد في ليلة 13 مارس/ آذار 1983 لأضرار جسيمة نتيجة حريق اندلع في القصر المجاور. ووفق سجلات المسجد، احترقت القبة الخشبية بالكامل، وتضررت أجزاء أخرى بدرجات متفاوتة.

غير أن إدارة الأوقاف أعادت ترميمه، ليُفتتح مجددًا للعبادة في 29 مايو/ أيار 1983، مع الحفاظ إلى حد كبير على الزخارف الأصلية.

ويشكّل المسجد مع الحمام والمدرسة الملحقة والنوافير المحيطة به وحدة معمارية متجانسة في الأسلوب، ما يعكس مفهوم المجمّع الوقفي المتكامل.

** طراز مميز

ويقول المحاضر في قسم تاريخ الفنون الإسلامية التركية بكلية العلوم الدينية (الإلهيات) في جامعة مرمرة أفضل الدين قليج، إن "حي بكلربكي الإسطنبولي، شكّل عبر التاريخ فضاءً ثقافيًا احتضن شخصيات بارزة وأسهم في تشكيل نمط حياة مميز".

ويشير إلى أن المسجد، "وإن كان من أعمال عبد الحميد الأول إلا أنه شهد تدخلات وترميمات لاحقة في عهد السلطان محمود الثاني".

ويبيّن قليج أن "موقع المسجد الساحلي المباشر يمنحه طابعا مميزا، بحيث يبدو عند تجاهل القبة والمآذن من جهة البحر، وكأنه مبنى مدني على الواجهة البحرية، وهو ما يرتبط باستخدام السلطان له برفقة حاشيته".

ويضيف أن المقصورة السلطانية "صُممت ضمن البنية الأصلية للمبنى، لا كإضافة خارجية، بحيث تتيح للسلطان ومرافقيه حضور الصلاة في فضاء مستقل، كما يضم الطابق العلوي غرفة خاصة يمكن للسلطان ومرافقيه استخدامها".

** ثقافة الوقت

ويلفت قليج إلى "وجود مدرسة وموقّت خانة (دار لضبط التوقيتات) ملحقة بالمسجد"، موضحًا أن الأخيرة "لم تعد تؤدي وظيفتها الأصلية".

ويوضح أن "الموقّت خانة كانت مركزًا لضبط المواقيت الفلكية، وتحديد بدايات الأشهر القمرية والأيام المباركة، بل وحتى اختيار الأيام المناسبة لبعض الأعمال، اعتمادًا على الحسابات الشمسية والميكانيكية".

ويقول قليج، إن هذه الوظيفة "تعكس أهمية الوقت في الثقافة الإسلامية، حيث يرتبط تحديد المواقيت بالعبادات واتجاه القبلة وتنظيم الحياة اليومية".

** قبة وأربع دعامات

ويشير قليج إلى أن "من أبرز سمات المسجد اتساع فضائه الداخلي تحت قبة واحدة دون تقسيمات بالأعمدة، ما يتيح أداء الصلاة في مساحة منفتحة ومضيئة".

ويوضح أن القبة ترتكز على الجدران وأربع دعامات كبيرة، مع وجود تجويف أمام المحراب، كما تظهر لوحة خزفية كُتبت عليها آية الكرسي، تعلوها ميدالية تحمل جزءًا من سورة الإخلاص، "في مزيج يجمع بين الروح الكلاسيكية والزخرفة ذات التأثيرات الغربية".

كما يبرز استخدام الزجاج الملوّن في النوافذ، وفق قليج "ما يمنح الداخل ألوانًا متبدلة مع أشعة الشمس".

** مداخل وآيات

من أبرز الخصائص التي يشير إليها قليج "توزيع الآيات القرآنية على المداخل بما يحمل رسائل معنوية متصلة بحركة الداخل والخارج".

ويضيف: "عند الخروج من الباب البحري، حيث يمتد منظر مضيق البوسفور والقصور والسفن، تقابل المصلّي آية "فول وجهكَ شطر المسجد الحرام"، كتذكير بالقبلة والاتجاه الروحي في مواجهة إغراءات الدنيا".

ويردف قليج: "أما في المحراب، فترد الآية المعروفة "كلّما دخل عليها زكرِيا المحراب"، في إشارة إلى قدسية الموضع واتجاه الصلاة".

ويتابع: "عند باب الجنازة تظهر الآية "واعبد ربَّكَ حتى يأتيَك اليقِين"، كتذكير باستمرارية العبادة حتى نهاية الحياة".

"كما تتضمن مداخل المقصورة السلطانية عبارات تؤكد ضرورة تواضع السلطان ووعيه بمسؤوليته كعبد لله قبل أن يكون حاكمًا" وفق قليج .

**تفاصيل معمارية

ويشير قليج إلى وجود "حجر الركوب" عند مدخل الطريق، وهو عنصر كان يُستخدم لتسهيل امتطاء الدواب، ويُعد من ملامح الثقافة الحضرية العثمانية التي ينبغي الحفاظ عليها.

كما يحتوي المسجد، قليج ، على "ساعات شمسية خارجية، وساعات ميكانيكية أثرية داخله، في تأكيد إضافي على مركزية مفهوم الوقت".

يضيف: "أما المنبر وكرسي الوعظ، فقد نُفذا بحرفية عالية باستخدام مواد ثمينة مثل العاج والأبنوس والعظم، ما يعكس مستوى العناية الفنية التي حظي بها المسجد" .

وبموقعه المندمج مع البحر، وزخارفه التي تمزج الكلاسيكي بالباروكي، دلالات الآيات المكتوبة فيه، يظل جامع بكلربكي أحد أبرز معالم أوسكدار، شاهدًا على مرحلة انتقالية في العمارة العثمانية، وعلى علاقة خاصة بين المسجد والمشهد البحري في إسطنبول.