الرباط / الأناضول
ـ أسعار النفط ترتفع 40 بالمئة منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير، والقيمة السوقية للسندات العالمية تفقد 2.5 تريليون دولار في مارس** الخبير في المجال المالي والاقتصادي سامي أمين للأناضول:
- هناك حرب اقتصادية موازية للحرب الدائرة تعتبر المحرك الذي يطيل عمر الأزمة
- أسهم بعض القطاعات تتراجع مقابل صعود "ملاذات" مثل شراء الذهب والعملات
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تواجه الأسواق المالية العالمية اضطرابات حادة وسط تراجع مؤشرات البورصات وارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة.
وشهدت أسواق الأسهم في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة خسائر لافتة، بالتزامن مع تقلبات في أسواق السلع والعملات والعقود الآجلة، فيما برزت قطاعات الطاقة والدفاع بين أبرز المستفيدين من الأزمة.
ويحذر الخبير الاقتصادي سامي أمين، من أن استمرار الحرب قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو "ركود تضخمي"، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو، ما يضع البنوك المركزية أمام خيارات صعبة.
كما يرجح أمين في حديث مع الأناضول، أن تدفع هذه التطورات دول المنطقة إلى تسريع خطط الاكتفاء الذاتي وتأمين الموارد، والتحول نحو نماذج اقتصادية أقل انكشافا على الصدمات الخارجية.
ومنذ 28 فبراير/ شباط الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة حربا على إيران، فيما ترد طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل، وما تقول إنها "قواعد ومصالح أمريكية" في دول عربية مجاورة، ما أدى إلى تصاعد التوترات وانعكاسها على الأسواق العالمية.
** أسعار الطاقة تقفز
ارتفعت أسعار النفط بنحو 40 بالمئة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رغم محاولات دولية وأمريكية للتحكم فيها.
وسجلت أسعار النفط نحو 72 دولارا للبرميل في 27 فبراير (قبل يوم من الحرب)، لترتفع إلى أزيد من 100 دولار للبرميل اليوم الثلاثاء، ما يعني أن نسبة الارتفاع تبلغ 40 بالمئة.
ويأتي ارتفاع أسعار الطاقة وسط مخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، في وقت تقيّد فيه إيران حركة الملاحة ردا على الهجمات.
كما سجلت الأسهم الأمريكية تراجعات بين 27 فبراير الماضي، و15 مارس/ آذار الحالي، مع استمرار الحرب، حيث انخفض مؤشر "داو جونز" الصناعي 3 بالمئة، و"ستاندرد اند بورز 500" 4.3 بالمئة، و"ناسداك المجمع" 1.6 بالمئة.
وبينما تضررت قطاعات المالية والسلع الاستهلاكية، شهدت قطاعات أخرى أداء متوسطا إلى قوي مثل الطاقة والدفاع.
كما شهدت الأسهم الأوروبية تراجعات خلال هذه الفترة، حيث سجل مؤشر ستوكس القياسي 600 انخفاضا بـ5.6 بالمئة، فيما تراجع "داكس" الألماني 5.9 بالمئة، و"فوتسي" البريطاني 5.2 بالمئة.
فيما انخفض مؤشر "كاك" الفرنسي 5.2 بالمئة، و"فوتسي إم بي آي" الإيطالي 5.5 بالمئة.
** ركود تضخمي
وأدت المخاوف من ركود تضخمي نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى خسارة أكثر من 2.5 تريليون دولار من قيمة السندات العالمية في مارس، مسجلة بذلك أكبر خسارة شهرية منذ أكثر من 3 سنوات، حسبما ذكرت بلومبيرغ.
ويقول الخبير الاقتصادي أمين، إن الحرب أثرت بشكل كبير على الأسواق المالية، مشيرا إلى وجود رابحين وخاسرين.
ويوضح أن الأسواق مرت بمرحلتين، الأولى تتجلى في النفور من المخاطر، حيث تراجعت أسهم قطاعات الطاقة والنقل والسلع الاستهلاكية، مقابل صعود "الملاذات"، مثل الذهب والعملات والأصول الدفاعية.
ويضيف أن هذه المرحلة تؤدي إلى اتساع فروق المخاطر، خاصة للشركات المثقلة بالديون.
أما المرحلة الثانية، فهي إعادة تسعير هيكلي، تستفيد منها قطاعات الطاقة والدفاع والأمن السيبراني، مقابل تضرر قطاعات الطيران والشحن، إضافة إلى الأسواق الناشئة المستوردة للطاقة، مع عجز خارجي.
ويلفت إلى أن الحرب قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم بالتزامن مع تباطؤ النمو، وهو ما يحدث ملامح "ركود تضخمي" في حال استمرار الأزمة.
ويقصد بالركود التضخمي، ركود اقتصادي مصحوب بتراجع معدلات النمو وارتفاع الأسعار، وهو ما يؤثر على الاقتصاديات ويرفع نسبة البطالة.
وتخضع إيران بالفعل لعقوبات أمريكية وأوروبية منذ سنوات، ما يجعل أي تصعيد جديد امتدادًا لضغوط اقتصادية قائمة.
** حرب موازية
ويرى أمين أن ما يجري لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يشمل حربا اقتصادية موازية تسهم في إطالة أمد الأزمة.
ويوضح أن هذه الحرب تتخذ أشكالا متعددة، منها العقوبات المباشرة، وتجميد الأصول، وقيود التمويل، وحظر توريد التكنولوجيا، إضافة إلى فرض عقوبات ثانوية على شركاء إيران التجاريين.
كما تشمل تعطيلا لوجستيا عبر إغلاق الأجواء أو الموانئ، وقيود العبور، إلى جانب حرب سيبرانية، وتشويش ملاحي، ما يرفع تكلفة المخاطر ويؤثر على ثقة الأسواق.
ويشير أمين إلى أن تأثير هذه الإجراءات لا يقتصر على ما تمنعه، بل يمتد إلى تكاليف الامتثال التي تتحملها البنوك والشركات، إضافة إلى شركات الشحن والتأمين.
وقبل اندلاع الحرب، تتعرض إيران لعقوبات عدة منها اقتصادية، تفرضها واشنطن والاتحاد الأوروبي، مثل حظر تصدير النفط والبتروكيماويات والمعادن.
ومطلع فبراير الماضي، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 25 بالمئة على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، في خطوة تهدف إلى تشديد العزلة الاقتصادية على طهران.
** الاكتفاء الذاتي
ويرى أمين، أن الحرب ستدفع إيران ودول المنطقة إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتأمين الموارد.
ويوضح أن إيران ستتجه نحو بدائل للاستيراد، وتسويات بعملات غير الدولار الأمريكي، والتركيز على تأمين الغذاء والطاقة والصناعات السيادية.
أما دول الخليج، فستعمل على تسريع برامج الأمن الغذائي والمائي، وتطوير سلاسل إمداد بديلة، مع عقود طاقة طويلة الأجل، وتوسيع التخزين الاستراتيجي، وتنويع مسارات التصدير، مثل أنابيب بديلة، وتحصين الموانئ والبنية الحيوية.
وتوقع أمين انتقالا من اقتصاد "منفتح بالكامل" إلى "اقتصاد مؤمن"، بما يقلل من هشاشة الصدمات رغم ارتفاع التكاليف.
ويُعد هذا التصعيد من أبرز العوامل الضاغطة على الاقتصاد العالمي، في ظل حساسية المنطقة لإمدادات الطاقة العالمية، واعتماد الأسواق على استقرار الملاحة في الممرات الحيوية، خصوصا مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على أسعار النفط وسلاسل الإمداد.
والاثنين، قال رئيس الوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول، إن الحرب في الشرق الأوسط ألحقت أضرارا جسيمة بأكثر من 40 منشأة للطاقة في 9 دول، محذرا من تفاقم المخاطر على الاقتصاد العالمي.