نفط أغلى وتحويلات وسياحة أقل.. حرب إيران تهدد اقتصاد تونس (تقرير)

حذر خبراء اقتصاديون من أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تهدد بصعوبات اقتصادية في تونس، بما قد يدفعها إلى إقرار موازنة تكميلية واتخاذ إجراءات "أحلاها مرّ".

تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول

** أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية آرام بلحاج:
- عجز الموازنة مرشح للتفاقم وربما يتسارع التضخم ما قد يؤدي لزيادة نسبة الفائدة إضافة إلى استمرار ارتفاع العجز في الطاقة
- سيناريو زيادة أسعار الوقود والكهرباء وارد جدا ويجب تعزيز قدرات تخزين الطاقة وإبرام اتفاقيات ثنائية خاصة مع ليبيا والجزائر واعتماد آليات التحوط عند شراء النفط
** الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي:
- عوائد السياحة ستتقلص وكذلك تحويلات المغتربين والدولة قد تقترض لسد العجز من البنك المركزي وهذا له تداعيات سيئة جدا على التضخم والنمو الاقتصادي
- أمام الدولة 4 خيارات أحلاها مرّ وهي: تأجيل المشاريع المبرمجة بميزانية 2026 والتوظيف بالمؤسسات العمومية وزيادة أسعار الوقود وتأجيل الزيادة في الأجور
** وزير التجارة الأسبق محمد المسيليني:
- أتوقع أن يصل سعر البرميل إلى 150 وحتى 200 دولار ما سيؤثر على الدول المستهلكة وبينها تونس التي بنت موازنة 2026 على نحو 63.3 دولارا لسعر برميل النفط
- ارتفاع الأسعار سيشمل أيضا المواد الاستهلاكية الأساسية والدولة ستضطر لإعداد موازنة تكميلية للعام الحالي وقد تتخذ إجراءات بينها زيادة أسعار بيع مواد الطاقة واللجوء للاقتراض الداخلي وتأجيل تنفيذ بعض المشاريع
 

حذر خبراء اقتصاديون من أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تهدد بصعوبات اقتصادية في تونس، بما قد يدفعها إلى إقرار موازنة تكميلية واتخاذ إجراءات "أحلاها مرّ".

وتسببت الحرب، المستمرة منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، في ارتفاع أسعار النفط والغاز، مع مخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية، لاسيما تفاقم التضخم.

وبالأساس، تعاني تونس منذ سنوات من ضغوط اقتصادية متراكمة، تفاقمت بسبب تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع تكاليف استيراد الطاقة والمواد الأساسية، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022.

وقال أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية آرام بلحاج للأناضول إن تونس بنت موازنة 2026 على فرضية نحو 63 دولارا لسعر برميل النفط.

وأضاف أن "أي ارتفاع كبير في الأسعار سيكون من الصعب تحمله، سواء من الدولة أو المواطن أو المؤسسات الاقتصادية".

والخميس سجل سعر برميل النفط خام برنت للعقود الآجلة 107 دولارات، مقابل 93 دولارا لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي.

وردا على العدوان، قيدت إيران المرور من مضيق هرمز، الذي كان يعبر منه نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، كما شنت هجمات على ما تقول إنها أهداف أمريكية في دول عربية، لكن بعضها استهدف منشآت للطاقة، ما أدى إلى خفض إنتاجها.

وأضاف بلحاج أن العجز المبرمج في الميزانية، والبالغ نحو 11 مليار دينار (3.6 مليارات دولار)، "مرشح للتفاقم بسبب تداعيات الحرب".

ورجح أن الدولة ستضطر لتحمل جزء من تداعيات ارتفاع الأسعار على المواطن، إلى جانب تحمّلها جزءا من هذه الأعباء على مستوى المالية العمومية.

و"عجز الموازنة مرشح للتفاقم، وربما يتسارع التضخم، ما قد يدفع إلى زيادة نسبة الفائدة (تبلغ حاليا 7 بالمئة)، إضافة إلى استمرار ارتفاع العجز الطاقي"، بحسب بلحاج.

واعتبر أن سيناريو زيادة أسعار الوقود والكهرباء "وارد جدا، وهامش التحرك أمام الدولة يظل محدودا".

ودعا إلى الاستعداد لمختلف السيناريوهات عبر تعزيز قدرات تخزين الطاقة، وإبرام اتفاقيات ثنائية في مجال الطاقة، خاصة مع دول الجوار مثل ليبيا والجزائر، واعتماد آليات التحوط عند شراء النفط.

** التحويلات والسياحة

أما الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي فتحدث عن التداعيات المحتملة للحرب على التحويلات المالية من المغتربين التونسيين إلى بلدهم (أكثر من 3 مليارات دولار عام 2025).

وقال الشكندالي للأناضول: هناك تداعيات على تحويلات التونسيين في بلدان الخليج العربي وأوروبا، فبالتأكيد ستتقلّص، فالتضخم المالي في هذه الدول سيقلّص قدرة المغتربين الشرائية، ما سيؤثر على مبالغ تحويلاتهم.

وتابع: "مداخيل السياحة كذلك ستتقلّص، فالأوروبيين ستتقلّص مقدرتهم الشرائية، وبالتالي ستتقلّص أعداد السياح القادمين من أوروبا".

ولفت إلى احتمال أن تشدد البنوك المركزية في أوروبا والولايات المتحدة سياستها النقدية وتزيد نسب الفائدة لمحاربة التضخم المالي.

وأوضح أن هذا سيكلّف موازنة تونس مبالغ إضافية في شكل فوائد على تسديد الدين الخارجي، و"هذا يعني أنه على مستوى 103 دولارات لبرميل النفط ستكون التداعيات مؤثّرة، فما بالك إذا واصلت الأسعار الارتفاع، وهذا وارد جدا".

الشكندالي قال إن التداعيات على المالية العمومية ستكون مباشرة، وهي على الأقل 6.4 مليارات دينار (2.1 مليار دولار).

وزاد بأن الدولة قد تقترض هذا المبلغ الإضافي من البنك المركزي، ليرتفع الاقتراض المباشر إلى نحو 17 مليار دينار (5.6 مليارات دولار)، وهذا له "تداعيات سيئة جدا على التضخم والنمو الاقتصادي".

وأضاف أن التضخم المالي عاد إلى الارتفاع في فبراير/ شباط الماضي إلى 5 بالمئة (من 4.8 بالمئة في يناير/ كانون الثاني)، وهذا يعني أن الاقتراض المباشر "خيار خاطئ".

** 4 خيارات

الشكندالي رأى أن الدولة بيدها حل ثان وهو "إعادة رسم الأولويات للسنة القادمة، ما يضعها أمام أربع خيارات: أحلاها مرّ وله تداعيات اقتصادية واجتماعية".

وأضاف أن الخيار الأول هو تأجيل المشاريع المبرمجة في ميزانية 2026، والثاني تأجيل التوظيف في المؤسسات العمومية، ولدينا تعهد بتوظيف 53 ألف شخص.

وتابع: الخيار الثالث هو الترفيع (الزيادة) في أسعار المحروقات (الوقود) وعدم تكفّل الدولة بفارق الدعم، أما الرابع فهو تأجيل الزيادة في الأجور للسنة المقبلة".

و"علاوة على التداعيات على المالية العمومية، فإن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية للنفط ستكون له تداعيات تضخمية، حيث سيرتفع التضخم المالي بحوالي نقطة، ما قد يدفع البنك المركزي الى الترفيع (الزيادة) مجددا في نسبة الفائدة"، بحسب الشكندالي.

وأردف: "سيتوسّع العجز التجاري ويتأثّر ميزان المدفوعات بتراجع تحويلات التونسيين بالخارج ومداخيل السياحة، وسيتراجع المخزون من العملة الصعبة، ما سيؤثر على قيمة الدينار".

واعتبر الشكندالي أن "السيناريو الأفضل لتونس هو عودة الهدوء في المنطقة عبر المساعي الدبلوماسية، فهذا يجنب تونس تداعيات مالية واقتصادية واجتماعية كبيرة".

ورأى أن كل هذه التحوّلات تستدعي من الحكومة ورئاسة الجمهورية تكوين لجنة طوارئ اقتصادية من أفضل الكفاءات الاقتصادية "للتفكير في أفضل السبل والسياسات التي يمكن إدماجها في قانون مالية تكميلي حتى نتجنّب ما هو أسوأ".

** موازنة تكميلية

فيما حذر وزير التجارة الأسبق محمد المسيليني من أنه إذا استمرت الحرب على هذه الوتيرة، مع ضرب منشآت الطاقة التي تزود العالم بالغاز والنفط وإغلاق مضيق هرمز، "فسترتفع أسعار النفط أكثر".

وتوقع المسيليني في حديث للأناضول أن يصل سعر البرميل إلى "150 وحتى 200 دولار، وهذا له تأثير على الدولة المستهلكة، وتونس ستتأثر بحكم فرضية موازنة 2026 المبنية على سعر برميل النفط بنحو 63.3 دولارا".

واعتبر أن الدولة "ستكون مضطرة لإعداد موازنة تكميلية للعام الحالي"

وتوجد حزمة إجراءات قد تتخذها الدولة، منها زيادة أسعار بيع مواد الطاقة، واللجوء للاقتراض الداخلي لصعوبة الاقتراض الخارجي، وتأجيل تنفيذ بعض المشاريع، بحسب المسيليني.

وختم بالتحذير من أن ارتفاع الأسعار لن يشمل النفط فقط، بل أيضا مواد أخرى بحكم توجه العالم إلى سياسة التخزين، وخاصة المواد الاستهلاكية الأساسية.