دولي, التقارير

محاسبة مرتكبي العنف الجنسي ببعثات السلام الأممية .. مسؤولية من؟ (تحليل)

تحليل يستعرض أزمة محاسبة أفراد قوات حفظ السلام الأممية المتهمين بالاستغلال والاعتداء الجنسي ضد ضحايا يعيشون في دول ذات ظروف قاسي، مع تسليط الضوء على إشكالية تمتع هذه القوات بالحصانة

10.12.2018
محاسبة مرتكبي العنف الجنسي ببعثات السلام الأممية .. مسؤولية من؟ (تحليل)

United States

إسطنبول / سلمان أكسونجير / الأناضول

شهد العامان الماضيان ارتفاعا مزعجا في عدد ادعاءات الاستغلال والاعتداء الجنسي الموجهة إلى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى انتشار الجوع وانعدام الأمن في مناطق الصراعات ، فاقم العنف الجنسي من جانب "حفظة السلام" الظروف القاسية للضحايا في دول مثل هايتي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومؤخرا في جمهورية أفريقيا الوسطى.

وبحسب تقرير أوردته مجلة "إندبندنت ريفيو" الأمريكية مؤخرا، كان هناك 150 ضحية على الأقل لحوادث الاعتداء الجنسي من جانب قوات حفظ سلام في جمهورية أفريقيا الوسطى في الفترة الأخيرة، مما أعاد إشعال النقاش حول مساءلة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فيما يتعلق بهذه الجرائم.

وهناك بعض الأمثلة الأخرى، ففي عام 1996 ، اتهمت السياسية غراسا ماشيل، من موزمبيق، قوات حفظ السلام في بلدها بارتكاب حوادث اعتداء جنسي. وفي عام 1999 ، كشفت الناشطة الحقوقية الأمريكية كاثرين بولكوفاتش أن بعض ضباط الشرطة التابعين للأمم المتحدة متورطون في الاتجار بالنساء الشابات في البوسنة.

ومع استمرار جرائم الاعتداء الجنسي دون عقاب منذ فترة طويلة، يوجد الآن جيل من "أطفال قوات حفظ السلام" الذين ولدوا نتيجة تلك الاعتداءات في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وإلى جانب الجنود، هناك عدد كبير من مسؤولي الأمم المتحدة والخبراء المتورطين في مثل هذه الجرائم خلال مهمة حفظ السلام.

ومن أجل معالجة هذه الفجوة القانونية، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والستين في عام 2006 إضافة مسودة معاهدة بشأن المحاسبة الجنائية لمسؤولي وخبراء المنظمة الموفدين في بعثات حفظ سلام، إلى جدول أعمالها.

ولم يتم بعد بلورة مشروع المعاهدة بسبب إحجام الدول المساهمة بقوات ضمن تلك البعثات. لكن الأمم المتحدة وعدت بإجراء إصلاحات لتحسين المساءلة عن جرائم الاعتداء الجنسي المرتكبة من جانب قوات حفظ السلام وزيادة الدعم للضحايا.

ومع ذلك، فإن التدابير المتوخاة تستغرق وقتا طويلا لكي تتحقق، في وقت يتضح فيه أن هناك حاجة ملحة لإجراء تحقيقات أسرع وتدقيق أكثر صرامة مع موظفي الأمم المتحدة الجدد.

والتدبير الأكثر شيوعا للمساءلة هو إعادة المتهم إلى وطنه. بيد أن هذا التدبير لا يعدو أن يكون تأديبيا بطبيعته، وهو أبعد ما يكون عن كونه آلية مناسبة لتحميل المتهم المسؤولية وتحقيق الإنصاف للضحايا.

لكن الأمم المتحدة والدول التي تنشر قوات، لم تتوصلا حتى الآن إلى طريقة عملية ومستدامة لوضع حد للإفلات من العقاب بسبب ما يتعرض له العديد من النساء والأطفال في مناطق النزاع لجرائم اعتداء جنسي.

** لا إطار قانونيا واضحا بشأن المساءلة عن الجرائم

وأفراد حفظ السلام من جنود وخبراء يتمتعون بالحصانة من الولاية القضائية الجنائية للدولة التي ينتشرون فيها. وعادة ما تدخل الأمم المتحدة في علاقة معاهدة ثنائية مع الدولة الإقليمية لمنح حصانة لقوات حفظ السلام.

وتنطبق الاتفاقات على الأفراد العسكريين والمدنيين الذين يُمنحون مرتبة مساوية للموظفين الإداريين والفنيين بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

وفي حالة وجود ادعاء، لا يمكن للسلطات القضائية في الدولة الإقليمية مقاضاة قوات حفظ السلام بسبب الحصانة. ولذلك، فإن السعي إلى المساءلة في الدولة التي تقع فيها الانتهاكات ليس مسارًا متاحا لطلب تعويض للضحايا.

ويمكن أن يكون السبيل الثاني للمساءلة هو تحميل الأمم المتحدة نفسها مسؤولية التصرفات الخاصة بقوات حفظ السلام التابعة لها في الحالات التي يكون فيها للأمم المتحدة سيطرة شاملة على القوات.

ويتمثل العائق الأساسي في إثبات هذه المسؤولية في ظل عدم وجود التزام تعهدي على الأمم المتحدة يحملها المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الخدمات التي تقدمها بعثات حفظ السلام.

ولم تدخل مواد لجنة القانون الدولي الخاصة بمسؤولية المنظمات الدولية حيز التنفيذ ، وبالتالي لا يكون لها تأثير ملزم على الأمم المتحدة.

وعلاوة على ذلك ، فإن الأمم المتحدة ليست طرفا في معاهدات حقوق الإنسان، التي يمكن استخدامها كمصدر للالتزام الثانوي لمنع الجرائم ضد النساء والأطفال وتقديم التعويضات.

وفيما يتعلق بالتزام القاعدة العرفية بالمقاضاة تحت رعاية الأمم المتحدة ، هناك نقص في الممارسة لتحديد قاعدة عرفية في هذا الشأن.

وبدون ممارسة متسقة وموحدة للدول أو المنظمات الدولية ، فإن الأسس المتعلقة بمطالبات الالتزام بالقانون العرفي ضد الأمم المتحدة ستكون هشة. وتُظهر ثغرات الإطار القانوني أن الاعتماد على مسؤولية الأمم المتحدة عن جرائم وسلوكيات حفظة السلام ليس آلية مناسبة للضحايا.

وهناك احتمال آخر يمكن من خلاله أن تُنسب المسؤولية إلى الدول المشاركة بقوات عن الجرائم التي يرتكبها مواطنوها. ومن الحالات المعروفة في هذا الصدد ، حالة "أمهات سريبرينيتسا" ، اللواتي فقدن أزواجهن وأبنائهن في الإبادة الجماعية التي ارتكبت أثناء حرب البوسنة.

فعلى الرغم من أن المحاكم الهولندية وجدت في عام 2008 أن الأمم المتحدة في مأمن من الولاية القضائية ، أصدرت محكمة الاستئناف في لاهاي في وقت لاحق ، في قضية مدنية عام 2017 حكما شكّل سابقة، حيث وجدت هولندا مسؤولة جزئيا عن الجرائم التي ارتكبت في سريبرينيتسا.

ورأت المحكمة أن هولندا كانت مسؤولة عن تصرفات قوات حفظ السلام الهولندية ، التي أدينت بشكل رئيسي بالإهمال. وذكرت المحكمة أن القوات الهولندية كانت على علم بالظروف الخاصة بتلك الجرائم. وعلى الرغم من أن قرار المحكمة الهولندية يمثل بوضوح سابقة ، فإنه من غير المحتمل أن تتحمل جميع الدول المعنية المسؤولية عن سوء تصرف مواطنيها أو إهمالهم في بعثات حفظ السلام.

علاوة على ذلك ، فإن النظر في مسؤولية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عن مثل هذه القضايا الجنائية قد يؤدي إلى عدد من التأثيرات السلبية على الأمم المتحدة من وجهة نظر سياسية. فإذا كان من الممكن أن تُنسب انتهاكات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى الدول الأعضاء في يوم من الأيام ، فسيكون للدول المشاركة بقوات ميلا للتدخل أكثر في أنشطة المنظمة. كما ستكون تلك الدول أكثر ترددا في المساهمة بقوات في بعثات حفظ السلام في المستقبل.

** فرص إسناد المسؤولية إلى حفظة السلام في محاكمهم الوطنية

وبعد أن أوضحنا باختصار التحديات والثغرات القانونية المتعلقة بآليات المساءلة ، فقد حان الوقت لاستكشاف واحدة من السبل الأكثر احتمالا لضمان المساءلة بالنسبة لحفظة السلام.

والطريقة الوحيدة الممكنة للضحايا هي السعي إلى نقل المسؤولية الجنائية والمدنية الفردية إلى الأفراد العاملين تحت مظلة الأمم المتحدة في محاكمهم الوطنية.

وكانت الأمم المتحدة قد نشرت للمرة الأولى أسماء الدول التي يُزعم أن مواطنيها أساءوا جنسياً إلى نساء وأطفال أثناء التصرف تحت "الخوذة الزرقاء".

وقد تم فهم هذا الإجراء كضوء أخضر من الأمم المتحدة للضحايا للحصول على تعويضات في الولايات القضائية الوطنية لتلك الدول.

وتلقت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى ادعاءات جديدة حول ارتكاب قوات موريتانية لحفظ السلام اعتداءات جنسية بحق ثلاثة مواطنين على الأقل في جنوب إفريقيا. أرسل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة فريقًا على الفور لتحديد مرتكبي هذه الأفعال ولجمع الأدلة ذات الصلة من أجل المضي في إجراءات تقاضي.

ومن الناحية العملية، قامت بعض الدول الأخرى المشاركة بقوات حفظ سلام ، بما في ذلك فرنسا، بإطلاق محاكمات عن جرائم ارتكبت في جمهورية أفريقيا الوسطى وبعثات أخرى. وسحبت الأمم المتحدة الجنود الكونغوليين من جمهورية أفريقيا الوسطى، وقد يسمح قرار الانسحاب بإجراء المزيد من التحقيقات في الكونغو.

ومع ذلك ، يجب أن تظل التوقعات متواضعة حيث أن بعض الدول ليس لديها تطبيق لقانونها الجنائي خارج الحدود الإقليمية ، وقد رفض البعض بالفعل إجراء تحقيق في مثل هذه الانتهاكات بسبب عدم وجود أدلة قاطعة.

وفي الختام ، لا يزال هناك عدم يقين يحيط بمسألة ما إذا كان من الممكن تحميل المسؤولية عن ذلك للأمم المتحدة أو الدول المشاركة بقوات أو إسناد المسؤولية الشخصية إلى قوات حفظ السلام في المحاكم المحلية. وبغض النظر عن مدى احتمالية نجاح هذه الآلية في تحقيق أي نجاح ، سيستمر الموضوع في استرعاء انتباه القانونيين والسياسيين الدوليين.


-----------------
- الآراء الواردة في هذا التحليل لا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية للأناضول

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.