الدول العربية, أخبار تحليلية

توحيد الجيش الليبي من القاهرة.."تسوية آمنة" مرهونة بتجاوز 3 تحديات (تحليل)

(تحليل)

30.03.2018
توحيد الجيش الليبي من القاهرة.."تسوية آمنة" مرهونة بتجاوز 3 تحديات (تحليل)

Al Qahirah

القاهرة/ حسين القباني/ الأناضول -

عادت محاولة توحيد الجيش الليبي إلى العاصمة المصرية القاهرة مرة ثانية، بعد احتضانها قبل نحو 7 عقود من التأسيس الأول، وذلك عبر جولات تتوالى للوصول إلى شيء أشبه بـ"تسوية آمنة"؛ لتفكيك أزمات سياسية واجتماعية ليبية.

وهذه "التسوية الآمنة"، التي تبذل مصر فيها جهودا برعاية رؤساء أجهزة دبلوماسية واستخباراتية وعسكرية، وفق معنيين بشأن ليبيا، تحدثت إليهم الأناضول، تواجه 3 تحديات: "التوافق وتجاوز الاستقطاب الليبي الحاد سياسيا وأمنيا واجتماعيا"، و"الاتفاق بشأن الهيكل التنظيمي للجيش ومراكزه القيادية"، و"تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه".

إذ أن الهيكلة المحتملة للجيش الليبي وتوحيده، تعد -بجانب الحل السياسي- رئتي البلاد لتجاوز ما حدث منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، في ثورة شعبية، في 17 فبراير/ شباط 2011.

ووفق المراقبين، فإن أهمية دور مصر، جارة ليبيا من حدودها الغربية، ينبع من حسابات عديدة؛ يأتي في مقدمتها "المصلحة المصرية في تجاوز أي تهديد إرهابي محتمل".

وأعلنت القاهرة أكثر من مرة، أن "إرهابيين" يحاولون اختراق حدودها غربا، وسط ضربات جوية شنتها داخل ليبيا ضد عناصر "إرهابية"، ردا على ما تراه "مساسا بأمنها وبأرواح مصريين"، لاسيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفق بيانات رسمية.

وتزامنا مع الاهتمام المصري، تواصل المفوضية الوطنية للانتخابات في ليبيا الإعداد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية (المرتقبة قبل نهاية 2018)، للخروج من نفق أزمة تعدد الشرعيات.

ويتصارع جانبان رئيسيان على النفوذ والشرعية والجيش: الأول حكومة "الوفاق" في طرابلس (غرب) برئاسة فائز السراج، المسنودة بالمجلس الأعلى للدولة، والثاني القوات التي يقودها خليفة حفتر، والمدعومة من مجلس النواب بطبرق (شرق).

وفي أكثر من مناسبة، أعلنت القاهرة دعمها لحفتر، والسراج، واتفاق الصخيرات لإنهاء الحرب في ليبيا، الحائز على قبول أممي وعربي، والذي وُقّع في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015، بالمغرب، إلا أن مراقبين يعتبرون أنها من أكبر الداعمين لحفتر.

** 6 جولات من رحم إعلان القاهرة

في 12 و13 ديسمبر 2016، اتفق عدد من الشخصيات الليبية المهتمة بالشأن العام، بالقاهرة، بحضور رئيس الأركان المصري آنذاك محمود حجازي، ووزير خارجية بلاده، سامح شكري، على أن اتفاق الصخيرات يعد "أساسا" للحل شريطة "إدخال بعض التعديلات (لم تحدد)".

ووفق بيانات رسمية، اتفق المجتمعون تحت اسم "اللجنة المصرية المعنية بليبيا" آنذاك على 7 ثوابت وطنية، منها "وحدة الجيش الليبي"، و"ترسيخ التوافق"، فضلا عن طرح 5 مقترحات بينها نقاط تمس المؤسسة العسكرية الليبية وتختص باستقلاليتها والنظر في مهام القائد الأعلى للجيش، دون تفاصيل.

وفي فبراير/ شباط 2017، وبعد اجتماعات بالقاهرة، حضرها عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وحفتر، والسراج، أعلنت اللجنة المصرية البدء في "مراجعة تشكيل وصلاحيات المجلس الرئاسي، ومنصب القائد الأعلى للجيش الليبي (دون تفاصيل)"، بخلاف إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بعد عام.

ومن رحم تلك المناقشات اتفقت "اللجنة المصرية المعنية بليبيا" في سبتمبر/أيلول 2017، مع وفد لجنتي التواصل العسكري الليبية، على تشكيل لجان فنية نوعية مشتركة لبحث آليات توحيد المؤسسة العسكرية".

وفي 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، أعلنت اللجنة برئاسة اللواء محمد الكشكي، مساعد وزير الدفاع المصري، اختيار مصر مقرا لاستكمال جهود إعادة تنظيم وبناء الجيش.

وإلى الآن، مضت خطوات لتوحيد الجيش الليبي عبر 6 جولات منذ أواخر 2017 وحتى 20 مارس/آذار 2018، بحضور أطراف عسكرية ليبية عديدة، لا تعلن أسماؤها عادة من الجانب المصري، غير أن تقارير محلية تشير إلى مشاركة، عبد الرازق الناظوري، رئيس أركان قوات حفتر، وعبد الرحمان الطويل، رئيس أركان قوات حكومة الوفاق، وفرج الصوصاع، رئيس وفد قوات حفتر، وعلي عبد الجليل، رئيس وفد قوات حكومة الوفاق.

ورغم أن التفاصيل طيّ اجتماعات مغلقة، غير أن الهدف الرئيس لها في معظم البيانات الرسمية الصادرة تتمثل في: "توحيد الجيش الليبي على أسس مهنية واحترافية خالصة؛ للاضطلاع بدوره كضامن لوحدة الدولة المدنية وسيادتها على كامل ترابها الوطني، وحماية مقدراتها وثرواتها".

وفي هذا الصدد، خرجت توصيات للاجتماعات أبرزها: "التأكيد أن مسار توحيد المؤسسة العسكرية سيكون بمثابة النواة الصلبة لدفع المسار السياسي إلى الأمام"، والتشديد على أنه "لا مكان داخل المؤسسة العسكرية الليبية لأية توجهات سياسية أو عقائدية أو استقطاب".

** الوضع العسكري الليبي

كانت ليبيا مقسمة في عهد معمر القذافي (1969-2011)، إلى 3 مناطق عسكرية فقط هي: الجنوبية، الغربية، والشرقية، وبعد الإطاحة به في 2011، تم تقسيم البلاد إلى 4 مناطق عسكرية هي: طرابلس العسكرية (غرب)، سبها العسكرية (جنوب)، الوسطى العسكرية، بنغازي العسكرية (شرق).

وفي يونيو/حزيران 2017، أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، قراراً يقضي بتقسيم البلاد إلى 7 مناطق عسكرية، بإضافة المنطقة العسكرية الغربية، ومنطقة طبرق العسكرية (شمال شرق)، ومنطقة الكفرة العسكرية (جنوب شرق).

وفي هذا السياق، يقول ناصر الهواري، مدير المرصد الليبي لحقوق الإنسان (غير حكومي)، إن "التشكيلات العسكرية الموجودة على أرض الواقع تنبثق عن أجسام سياسية، وهي: المجلس الرئاسي، والبرلمان، إضافة لبعض القوى الأخرى في الزنتان ومصراتة".

ويوضح الهواري للأناضول: إضافة لنفوذ المجموعات المسلحة الموجودة في طرابلس وهي: عبد الروؤف كارة (قائد قوة الردع الخاصة)، هيثم التاجوري (قائد كتيبة ثوار طرابلس)، وغنيوة الككلي (قائد الأمن المركزي)، وهاشم بشر (رئيس اللجنة الأمنية العليا سابقًا/ قيادي في كتيبة ثوار طرابلس)، وكلها حليفة للمجلس الرئاسي.

بدوره، يقول كامل عبد الله، الخبير المصري في الشؤون الليبية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (حكومي)، للأناضول، إن "اجتماعات القاهرة في الغالب وبالأساس، قائمة على ضباط قوات حفتر، والمجلس الرئاسي وحلفائهما".

ويوضح أن موقف مصر من الإسلاميين معروف، لكنها تقدم مقاربة أكثر انفتاحا مع كل القوى الليبية، وتدير حوارا مسؤولا مع عسكريين ليبيين وربما نرى الفترة المقبلة مشاركة ضباط جدد (لم يسمهم)

وبشأن الخلاف الجوهري بين أنصار حفتر وخصومه بشأنه تعيينه قائدا للجيش الليبي، لفت عبد الله، إلى أن "الخلاف حول حفتر موجود، ولكن المشاورات تحل كل شيء، خاصة وأن مصر تدير عملية معقدة مع أطراف أخذت مكاسب لن تتركها بسهولة بين يوم وليلة".

ويتوقع الخبير المصري في الشأن الليبي، خيري عمر، في حديث للأناضول، أن تسعى اللجنة إلى إعادة هيكلة الجيش الليبي بما يشمل جميع المكونات والمناطق، "وسط مفاوضات حول المناصب الرئيسية والأقدمية وكيفية استيعاب السلاح والكيانات وضبط المؤسسات وبحث علاقة الجيش بالسلطة المدنية".

** تعدد الجبهات.. السبب والواقع

وعن تعدد الجبهات، يرى الهواري أن الخلاف الموجود بين الجيش الليبي مرجعه تباين المواقف السياسية، وتشبث كل طرف بأيديولوجية مختلفة عن الآخر.

ويستدرك: "لكن يمكننا القول أن الوفاق بين مجموعات الجيش المختلفة، بداية لتوافق سياسي أكبر وأشمل لكل أطراف الصراع".

و"التوافق العسكري في حالة نجاحه"، بحسب الهواري، "سوف يحل أحد أكبر نقاط الخلاف المتمثل بتعديل المادة الثامنة في الاتفاق السياسي، والخاصة بالمراكز القيادية في الجيش الليبي".

وانعكست نتائج اجتماعات القاهرة على "التصريحات الصادرة عن المتحدثين باسم قوات الجيش في الشرق والغرب؛ فبعد خطاب التخوين والهجوم المستمر، تحولت التصريحات إلى بنّاءة، وتوقف الهجوم المتبادل"، وفق الهواري.

ويضيف السفير الليبي السابق بالقاهرة، محمد فايز جبريل، في حديث للأناضول، سببا ثانيا لتعدد الجبهات العسكرية في ليبيا، وهو "عدم وجود مشروع وطني جامع يملأ فراغ ما بعد القذافي"، غير أنه متفائل بأن "التاريخ الليبي في الكفاح لن يضيع هباءً منثورا".

وفي هذا الصدد يطرح حلا يتضمن العودة إلي الفترة الملكية الدستورية بدستورها 1951 المعدل 1963.

ويشير جبريل، إلى أن "ما يحدث اليوم (من محاولة توحيد الجيش الليبي) هو عودة لعام 1940، عندما تم تأسيسه من القاهرة".

ففي 1939، قررت 40 شخصية من القادة والزعماء الليبيين المقيمين بمصر، تكوين جيش لتحرير بلادهم، وافتتح مكتب لقبول المتطوعين بالقاهرة في 12 أغسطس/آب 1940.

** تسوية آمنة

خيري عمر، يعود للحديث هنا مشبّها ما يحدث بأنه "تسوية آمنة"، قائلا إن "المسار الذي اتخذته مصر بالنقاش لتوحيد الجيش الليبي والتسوية والتفاهمات لبناء المؤسسات، هو المسار السليم والآمن والهام لبناء المؤسسات بعيدا عن الصراعات".

واعتبر الخبير المصري، في الشأن الليبي، أن "إنجاز تلك التسوية سيساعد في الحل السياسي".

بدوره، يؤكد كامل عبد الله، أن "عملية التسوية الجارية ليست تدخلا مصريا في الشأن الليبي لكن إنجاز ليبي ترعاه مصر بانفتاحية وحيادية، اطلعت عليها في سياقات عدة".

**3 تحديات

ويضع عبد الله، ثلاث تحديات تواجه مسار توحيد الجيش والتفاهمات، "متمثلة في الاستقطاب الحاد سياسيا وأمنيا واجتماعيا بليبيا، والتوافق على الهيكل التنظيمي للجيش ومراكزه القيادية، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه".

ويربط نجاح الجهود في توحيد الجيش، بما يسفر عنه الوضع السياسي وليس العكس، رافضا أن يقلل أحد من أي جهد متخذ في سبيل توحيد الجيش.

ويتفق معه الليبي ناصر الهواري، موضحا بشيء من التفصيل قائلا: "أهم التحديات تتمثل في تسمية المراكز القيادية بالجيش، وعلى رأسها قائده العام والمرشح له خليفة حفتر".

ويضيف "لكي تسهم في نجاح الاتفاق حول هذه النقطة، يجب أن تتدخل القيادات السياسية وتساهم في حلحلة المشكلات التي تعوق توقيع الاتفاق، مع قبول أطراف الصراع على الأرض ومن بيدهم السلاح، لما سيتوصل إليه المتحاورون في القاهرة".

**الهدف المصري

السفير الليبي السابق بالقاهرة، يقول إن "هناك فرقا بين الجهود والنتائج، وأنا أثمن الجهود المصرية التي تعبر عن مساعٍ حقيقية وحرص على أن ترى ليبيا عافيتها، وهذا دور إيجابي".

ويرى جبريل، أن "القاهرة جمعت الفرقاء وتحاول أن تنجز حلا لأسباب مصرية؛ منها الحرص على تأمين حدودها في بلد يشكل عدم استقراره خطورة على المنطقة".

ويشدد على أن الإرادة الليبية الوطنية هي الأهم في الخروج من الأزمة فبدونها كل الجهود لن تثمر.

وفي هذا السياق، يذهب كامل عبد الله، لهدف أعمق من تأمين الحدود، قائلا: "هدف مصر (..) هو محاولة لبناء شراكة أمنية فاعلة في مواجهة أي مخاطر أو تهديدات حالية أو مستقبلية خاصة في الحدود الليبية المصرية".

ويشدد عبد الله، على أن "مصر تبذل جهدا طيبا، لكن المشكلة عند الليبيين أنفسهم".

وفي يونيو/ حزيران 2017، نشر مركز "بروكنجز" للبحوث (أمريكي)، مقالا تحت عنوان "هل الطريق نحو استقرار ليبيا تمرّ عبر القاهرة"، وتطرق إلى أن هناك 3 مصالح لمصر في توحيد الجيش الليبي.

وعددّها: "الأول أمني مرتبط بتأمين حدودها المشتركة مع ليبيا، التي تمتد على مسافة ألف و115 كلم، من التيارات المتطرفة، والثاني بالوضع الاقتصادي، حيث العمالة المصرية بالآلاف هناك (في ليبيا)، أما الثالث فيتمثل خشية صعود أي تيار هناك يدعم وجود (جماعة) الإخوان (المسلمون)، التنظيم المحظور في مصر".

** لا مدة متوقعة

ولا يمكن التكهن بالمدة المتوقعة لإتمام الاتفاق، وفق الليبي ناصر الهواري، مرجعا ذلك إلى "إحاطة الأطراف تفاصيل ما يحدث من حوارات بسياج من السرية".

ويستدرك القول: "لكن من المنتظر أن تنتهى المفاوضات ويعلن الاتفاق النهائي قبل موعد إجراء الانتخابات".

ويشدد على أن "الانقسام يمنع إجراء الاستفتاء على الدستور والانتخابات، وتأمين صناديق الاقتراع".

ويلفت إلى أن "منع حدوث عمليات إرهابية أمر يحتاج تكاتف وتوحيد جهود الجميع".

ويتفق معه الخبير المصري خيري عمر، قائلا: "الفترات الانتقالية ليست مرتبطة بجداول زمنية مقدسة، فقد يحدث تباطؤ نتيجة تفاصيل النقاش".

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın