السياسة, دولي, أخبار تحليلية

الاعتراضات في إيران.. الدوافع والسيناريوهات (مقال تحليلي)

بقلم د. محمد عبد المجيد، الباحث في مركز الدراسات الإيرانية في أنقرة (إيرام)

10.01.2018
الاعتراضات في إيران.. الدوافع والسيناريوهات (مقال تحليلي)

Turkey

أنقرة/ محمد عبد المجيد/ الأناضول

حين انطلقت أحداث الربيع العربي في تونس، وانتقلت إلى عواصم عربية في عام 2011، أعرب النظام الإيراني عن تأييده للتغيير في البلدان العربية علنًا، لكنه كان يخفي خشيته من وصول عربة التغيير إلى طهران؛ لا سيما وأنه كان قد خرج لتوه من أزمة كبيرة إثر التظاهرات، التي شهدتها البلاد بعد انتخابات عام 2009.

وزاد هذا القلق حين وصلت عربة التغيير إلى دمشق، وكادت تُسقط حليفه بشار الأسد، وأدرك النظام الإيراني أن سقوط حلفائه في المنطقة سيسرع في انهياره، فبذل ما بوسعه، لمنع سقوط الأسد مخاطرًا بصورته في العالمين العربي والإسلامي، وقدم له كميات كبيرة من الأسلحة وأموالًا طائلة؛ برغم أنه كان يعاني من مصاعب كبيرة بسبب الحظر الاقتصادي المفروض على البلاد نتيجة البرنامج النووي.

وبعد أن نجحت الحكومة الإيرانية في حل أزمة البرنامج النووي عام 2015، كان من المتوقع أن تشهد البلاد انفراجًا اقتصاديًا؛ لا سيما وأن تقارير تحدثت أن طهران ستحصل على 150 مليار دولار من أموالها المجمدة في البنوك الأوروبية والأمريكية، وكان من المأمول تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

لكن وبعد مضي أكثر من عامين على توقيع الاتفاق النووي، ورغم نجاح الرئيس روحاني في تقليص حجم التضخم السنوي من ثلاثين إلى حوالي 12 بالمائة، فلم يشهد المواطن الإيراني تحسنًا في حالته الاقتصادية، فقد أفسد مجيء ترامب آمال روحاني، وذهبت معظم الأموال التي استعادتها الحكومة للحرس الثوري، الذي استخدمها، لتعزيز نفوذ إيران في المنطقة. وما زال الفقر والفساد والبطالة والغلاء يعصف بالبلاد.

خلال الشهور الأخيرة، شهدت المدن الإيرانية عشرات الاحتجاجات والاعتصامات المحدودة في مناطق مختلفة من البلاد، لكن الحكومة لم تستجب لمطالب المحتجين، الذين تنوعت فئاتهم بين مطالبين باستعادة أموالهم من مؤسسات مالية تملكها شخصيات محسوبة على النظام بعد أن أعلنت إفلاسها ولم تُعِد للمودعين أموالهم، ومعلمين ومتقاعدين لم يتقاضوا رواتبهم لعدة شهور، وعمال خسروا أعمالهم بعد إغلاق مصانعهم نتيجة إفلاسها، وخريجين جامعيين لم يحصلوا على فرصة عمل، ومعترضين على سياسة الحكومة حيال معضلة التلوث البيئي، وفتيات اعترضن على الحجاب الإجباري الذي يفرضه النظام، وغاضبين من فشل النظام في التعاطي مع كارثة الزلزال الأخير الذي ضرب غرب البلاد وتسبب بتشريد مئات العائلات.

وقد أدى عدم الاستجابة لمطالب المحتجين بفئاتهم المختلفة إلى فقد كثير من المواطنين أي أمل بالإصلاح، الذي كان الرئيس روحاني قد وعد بتحقيقه منذ خمس سنوات، وأكد عليه في حملته الانتخابية منذ أقل من سنة، وشعر هؤلاء أن الرئيس قد خدعهم، أو أنه غير قادر على إنجاز التغيير المطلوب، فتراجع في كثير من الميادين أمام المرشد والحرس الثوري.

ومما سرّع في اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، عزم حكومة روحاني قطع المعونة الحكومية عن 30 مليون مواطن، ممن لا يعتبرون فقراء بنظر الحكومة، وكذلك الميزانية المقترحة للسنة المالية الجديدة، التي تتضمن رفع قيمة المحروقات ومنها البنزين إلى الضعف ومضاعفة الضرائب، وخفض ميزانية المشاريع التحتية، مقابل تخصيص ميزانيات ضخمة للمؤسسات الدينية، ولأذرع النظام المذهبية والإعلامية، إضافة إلى زيادة ميزانية المؤسسات العسكرية، ومنها الحرس الثوري أكثر من 40 بالمائة عن العام الماضي.

لا شك، أن العامل الأساسي لنزول المعترضين إلى الشوارع في مشهد في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفي عشرات المدن بعد ذلك، هو سوء الأوضاع المعيشية، لكن الاقتصاد غير منفصل عن السياسة، فسوء الأوضاع المعيشية ناجم عن سوء إدارة السياسيين، وهذا يجعل من الممكن القول، إن سبب الاعتراضات يتجاوز الأوضاع المعيشية، ويعبر عن استياء المواطنين من النظام، وأنه لم يعد بقدورهم تحمل المزيد من الضغوط.

إن الأحداث الحالية، جاءت نتيجة تراكمات من معاناة المواطنين من الفقر والفساد والبطالة والرشوة والظلم والنقمة على النظام، الذي يبدد أموال الدولة خارج البلاد؛ خدمة لمصالحه الخاصة على حساب مواطنيه. وإذا قبلنا رواية النظام، بأن أيادٍ خارجية قد تسببت باندلاع الاحتجاجات، فلا شك أن العوامل الداخلية تجعل إيران مهيأة لاندلاع ثورات في كل لحظة. صحيح أن الدول المنافسة لإيران، وبعض القوى الأجنبية، ستكون مسرورة بتسبب القلاقل للنظام الإيراني، لكن هناك شكوك كثيرة حول قدرتها على التأثير في الداخل الإيراني.

يُرجع بعضهم اندلاع الاحتجاجات في بدايتها إلى تجاذبات سياسية بين التيارين المحافظ والإصلاحي، بعد دعوة بعض أقطاب التيار المحافظ أنصارهم للاحتجاج على حكومة روحاني بذريعة الاعتراض على الغلاء، لكن الأمور خرجت عن السيطرة بعد أن انضمت فئات أخرى للمحتجين، ورفعت سقف الشعارات، كما يتحدث آخرون عن دور للرئيس السابق أحمدي نجاد في إطلاق الاحتجاجات؛ لا سيما وأنه تعرّض خلال المرحلة السابقة لكثير من الانتقادات، ووجهت له العديد من التهم، حتى اضطر مرشد الثورة للرد عليه قبل يوم واحد من اندلاع الاحتجاجات، بقوله: "لا يحق لمن كان يملك كل مقدرات الدولة بيده، أن يلعب اليوم دور المعارضة".

وأيّاً كان المتسبب في اندلاع الاحتجاجات، فهي تشكل بشعاراتها التي استهدفت النظام وشخص المرشد صفعة قوية لشرعية النظام، الذي يرتكز على مبدأ ولاية الفقيه، وهزة كبيرة لمكانة المرشد، الذي حاول بعد تظاهرات عام 2009 إعادة الهيبة لمكانته، التي تزعزعت بعد وقوفه إلى جانب أحمدي نجاد.

لا شك، أن المحتجين الإيرانيين لم ينتفضوا على النظام بسبب سياسته التوسعية في المنطقة، وتسببه بمقتل آلاف السوريين وتهجير ونزوح الملايين، إلا أن الشعارات التي أطلقت ضد سياسات النظام في سوريا، تُثبت فشل دعايته بشأن الدفاع عن الحرم والقول بأنه إذا لم يحارب هناك، عليه أن يحارب في طهران.

الهدف من هذه الشعارات مطالبة النظام بصرف ثروات البلاد على مواطنيه، لا إنفاقها على مشاريع تخدم النظام، ولا تعود على الشعب الإيراني سوى بالضرر. تظهر هذه الشعارات أن محاولات النظام إقناع مواطنيه أن هذا الإنفاق ضروري، لتعزيز مكانة إيران وحمايتها، لم تعد تقنع المحتجين، حيث لا يهتم المواطن الإيراني، الذي يعاني البطالة والفقر بأهداف النظام ومشاريعه خارج البلاد، بل يهمه تأمين متطلباته ومتطلبات أسرته.

وقد جاءت ردود أفعال التيارين المحافظ والإصلاحي متقاربة في المضمون، ورغم أن المحافظين لم يخفوا سعادتهم بالشعارات التي نالت من روحاني وحكومته، وألقت باللائمة على برنامجه الاقتصادي في سوء الأوضاع في البلاد، فقد جاءت ردودهم مختلفة حيال الشعارات التي نالت من النظام ورأسه، فاعتبروا الحراك مؤامرة خارجية، وبدأوا بكيل التهم لخصوم النظام في الخارج وعلى رأسهم: السعودية، أمريكا، إسرائيل، بل أضافوا إليها كلا من داعش، منظمة "مجاهدي خلق"، دعاة العودة إلى النظام الشاهنشاهي، ولم يكن مستبعدًا من الإصلاحيين وقوفهم إلى جانب رأس النظام، والمحافظين ضد مطالب المعترضين نتيجة شعورهم بالخطر الذي يهدد بنية النظام، ولاعتقادهم أنه في حال سقط النظام، فلن يختلف مصيرهم كثيرًا عن مصير أقرانهم من المحافظين.

يسعى الإصلاحيون الذين يتعرّضون ما بين الفينة والأخرى إلى إبعادهم عن السلطة، إلى كسب ود النظام واسترضائه، لمنحهم جزءًا من السلطات، لذلك فهم غير مستعدين للانخراط فيما قد يؤدي إلى إسقاط النظام. السيناريوهات المتوقعة - إذا ازداد زخم الاحتجاجات في الأطراف، أو شهدت العاصمة، والمدن الكبرى احتجاجات كبيرة والتحقت الطبقة الوسطى والطلبة؛ لا سيما في طهران بالمعترضين، فلن يكون من السهولة قمعها، وستكون الخيارات كلها مفتوحة. 

- قد يتمكن النظام من قمع الاحتجاجات، وإخماد صوتها، لعدة أسباب منها: عدم انضمام فئات أوسع من المواطنين إليها لعوامل متعددة أبرزها إخافة هذه الشرائح من الالتحاق بالتظاهرات عبر التهويل من التخريب الحاصل في الممتلكات العامة -وإن كانت هناك تهم للنظام نفسه بافتعاله-، القبضة الأمنية، إغلاق برامج التواصل الاجتماعي، التي يتواصل عبرها المعترضون، تخفيض سرعة الإنترنت، بيد أن قدرة النظام على إخماد الاحتجاجات لا تعني انتهاءها على الإطلاق، بل سيزيد القمع من نقمة المواطنين على النظام، ويتعمق الجرح، وينتظر المعترضون فرصة أخرى لظهور حركات أكثر تنظيمًا وانسجامًا ووضوحًا في الأهداف. إن إخماد الاعتراضات سيضعف من مشروعية النظام أمام مواطنيه، وأمام دول العالم أيضًا، وسيزيد من عزلته، ويقلل من فرص إقامة علاقات اقتصادية جيدة مع أوروبا، ويخفض من احتمال ورود استثمارات أجنبية للبلاد، ما سيفاقم من سوء الأوضاع الاقتصادية.

- قد تقوم الحكومة ببعض الإجراءات لتهدئة الشارع، منها تلبية بعض المطالب المعيشية كالتراجع عن رفع قيمة المحروقات، والتراجع عن مشروع قطع الدعم الحكومي عن حوالي 30 مليون مواطن إيراني، ما يعني فشل البرنامج الاقتصادي للرئيس روحاني. قد تلقى هذه الإجراءات قبولًا عند المعترضين الذين خرجوا لمطالب معيشية، لكنها بالتأكيد لن تقنع المحتجين على النظام برمته، فهؤلاء لن يرضوا دون إحداث تغييرات بنيوية في النظام الحاكم. إذا تمكن النظام من إخماد الاحتجاجات، سيكون المتضرر الأكبر من الأحداث الأخيرة هم الإصلاحيون. لن ينسى المحتجون اتهامات الإصلاحيين لهم، وسترتفع موجة الإعراب عن الندم للتصويت لروحاني، التي كانت قد بدأت قبل أسابيع من انطلاق الاحتجاجات. وفي حال تحقق هذا السيناريو سترتفع أسهم المحافظين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة.

----------------------------------------------------

* الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الأناضول

الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
المواضيع ذات الصلة
Bu haberi paylaşın